ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
73
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وقد ترد في الأبيات الشعرية ويكون ورودها لفائدة وذلك هو الأحسن ، كقول البحتري « 1 » : قوم أهانوا الوفر حتّى أصبحوا * أولى الأنام بكلّ عرض وافر « 2 » فقوله « أصبحوا » بمعنى صاروا : أي أنهم صاروا أولى الناس بالأعراض الوافرة ، وهذه اللفظة لم ترد في هذا البيت حشوا كما وردت في بيتي أبي تمام المقدم ذكرهما . وسأزيد هذا الموضع بيانا بمثال أضربه للتطويل ، حتى يستدل به على أمثاله وأشباهه ، والمثال الذي أضربه هو حكاية أوردت بمحضر مني ، وذاك أنه جلس إليّ في بعض الأيام جماعة من الإخوان ، وأخذوا في مفاوضة الأحاديث ، وانساق ذلك إلى ذكر غرائب الوقائع التي تقع في العالم ، فذكر كل من الجماعة شيئا ، فقال شخص منهم : إني كنت بالجزيرة العمرية في زمن الملك فلان ، وكنت إذ ذاك صبيا صغيرا ، فاجتمعت أنا ونفر من الصبيان في الحارة الفلانية ، وصعدنا إلى سطح طاحون لبني فلان ، وأخذنا نلعب على السطح ، فوقع صبي منا إلى أرض الطاحون ، فوطئه بغل من بغال الطاحون ، فخفنا أن يكون آذاه ، فأسرعنا النزول إليه ، فوجدناه قد وطئه البغل ؛ فختنه ختانة صحيحة حسنة لا يستطيع الصانع الحاذق أن يفعل خيرا منها ؛ فقال له شخص من الحاضرين : واللّه إن هذا عيّ فاحش ، وتطويل كثير لا حاجة إليه ؛ فإنه بصدد أن تذكر أنك كنت صبيا تلعب مع الصبيان على سطح طاحون فوقع صبي منكم إلى أرض الطاحون ، فوطئه بغل من
--> ( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها محمد بن عبد اللّه بن طاهر ، وأولها قوله : لا زال محتفل الغمام الباكر * يهمي على حجرات أعلى الحاجر ( 2 ) قبل هذا البيت قوله : كشفت لنا سير الأمير محمّد * عن أمر ناه بالسّداد وآمر لا يقتفي أثر الغريب ولا يرى * قلق المطيّ على الطّريق الجائر متقبّل شرف الحسين ومصعب * وفعال عبد اللّه بعد وطاهر