ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

71

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

فصدر هذا البيت فيه تطويل لا حاجة إليه ، وعجزه من محاسن الكلام المتواصفة ، وموضع التطويل من صدره أنه قال : « طلوع الثنايا بالمطايا » فإن لفظة المطايا فضلة لا حاجة إليها ، وبيان ذلك أنه لا يخلو الأمر فيها من وجهين : إما أن يريد أنه سابق الهمة إلى معالي الأمور ، كما قال الحجاج على المنبر عند وصوله العراق : أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا أي : أنا الرجل المشهور السابق إلى معالي الأمور ؛ فإن أراد العجير بقوله « طلوع الثنايا » ما أشرت إليه فذكر المطايا يفسد ذلك المعنى ؛ لأن معالي الأمور لا يرقى إليها بالمطايا ، وإن أراد الوجه الآخر ، وهو أنه كثير الأسفار ؛ فاختصاصه الثنايا بالذكر دون الأرض من المفاوز وغيرها لا فائدة فيه ، وعلى كلا الوجهين فإن ذكر المطايا فضلة لا حاجة إليه ، وهو تطويل بارد غثّ . فقس على هذا المثال ما يجري مجراه من التطويلات التي إذا أسقطت من الكلام بقي على حاله لم يتغير شيء . وكذلك يجري الأمر في ألفاظ يوصل بها الكلام ؛ فتارة تجيء لفائدة ، وذلك قليل ، وتارة تجيء لغير فائدة ، وذلك كثير ؛ وأكثر ما ترد في الأشعار ليوزن بها الأبيات الشعرية ، وذلك نحو قولهم : لعمري ، ولعمرك ، ونحو أصبح وأمسى وظلّ وأضحى وبات ، وأشباه ذلك ، ونحو يا صاحبي ويا خليلي ، وما يجري هذا المجرى . فمما جاء منه قول أبي تمام « 1 » : أقرّوا لعمري لحكم السّيوف * وكانت أحقّ بفضل القضاء « 2 »

--> ( 1 ) من قصيدة له يرثي فيها خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني ، وأولها قوله : نعاء إلى كلّ حيّ نعاء * فتى العرب اختطّ ربع الفناء ( 2 ) في الديوان « أقروا لعمري بحكم السيوف » .