ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

68

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

النوع الخامس عشر في الإيجاز وهو حذف زيادات الألفاظ ؛ وهذا نوع من الكلام شريف لا يتعلق به إلا فرسان البلاغة من سبق إلى غايتها وما صلّى ، وضرب في أعلى درجاتها بالقدح المعلّى ، وذلك لعلو مكانه ، وتعذر إمكانه . والنظر فيه إنما هو إلى المعاني لا إلى الألفاظ ، ولست أعني بذلك أن تهمل الألفاظ بحيث تعرى عن أوصافها الحسنة ، بل أعني أن مدار النظر في هذا النوع إنما يختصّ بالمعاني ؛ فربّ لفظ قليل يدل على معنى كثير ، وربّ لفظ كثير يدل على معنى قليل ، ومثال هذا كالجوهرة الواحدة بالنسبة إلى الدراهم الكثيرة ؛ فمن ينظر إلى طول الألفاظ يؤثر الدراهم بكثرتها ، ومن ينظر إلى شرف المعاني يؤثر الجوهرة الواحدة لنفاستها ، ولهذا سمّى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الفاتحة أم الكتاب ، وإذا نظرنا إلى مجموعها وجدناه يسيرا ، وليست من الكثرة إلى غاية تكون بها أم البقرة وآل عمران وغيرها من السور الطوال ؛ فعلمنا حينئذ أن ذلك الأمر يرجع إلى معانيها . والكلام في هذا الموضع يخرج بنا إلى غير ما نحن بصدده ؛ لأنه يحتاج فيه إلى ذكر المراد بالقرآن الكريم وما يشتمل عليه سوره وآياته إلى حصر أقسام معانيه ، لكنا نشير في ذلك إشارة خفيفة ؛ فنقول : المراد بالقرآن هو دعوة العباد إلى اللّه تعالى ، ولذلك انحصرت سوره وآياته في ستة أقسام : ثلاثة منها هي الأصول ، وثلاثة هي الفروع . أما الأصول فالأول منها : تعريف المدعوّ إليه ، وهو اللّه تعالى ، ويشتمل هذا الأصل على ذكر ذاته وصفاته وأفعاله ؛ والأصل الثاني : تعريف الصراط المستقيم الذي تجب ملازمته في السلوك إلى اللّه تعالى ويشتمل هذا الأصل على التّبتّل بعبادة اللّه بأفعال القلب وأفعال الجوارح ؛ والأصل الثالث : تعريف الحال بعد الوصول إلى