ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

61

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

النوع الثالث عشر في عكس الظاهر وهو نفي الشيء بإثباته ، وهو من مستطرفات علم البيان ، وذاك أنك تذكر كلاما يدلّ ظاهره أنه نفي لصفة موصوف ، وهو نفي للموصوف أصلا . فمما جاء منه قول علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه في وصف مجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « لا تنثى فلتأته » « 1 » أي لا تذاع سقطاته ، فظاهر هذا اللفظ أنه كان ثمّ فلتات غير أنها لا تذاع ، وليس المراد ذلك ، بل المراد أنه لم يكن ثمّ فلتات فتنثى ، وهذا من أغرب ما توسعت فيه اللغة العربية ، وقد ورد في الشعر كقول بعضهم : ولا ترى الضّبّ بها ينجحر « 2 » فإن ظاهر المعنى من هذا البيت أنه كان هناك ضبّ ولكنه غير منحجر ، وليس كذلك ، بل المعنى أنه لم يكن هناك ضبّ أصلا . وهذا النوع من الكلام قليل الاستعمال ، وسبب ذلك أن الفهم يكاد يأباه ، ولا يقبله إلا بقرينة خارجة عن دلالة لفظه على معناه ، وما كان عاريا عن قرينة فإنه لا يفهم منه ما أراد قائله .

--> ( 1 ) في النهاية : « وفي الحديث في صفة مجلسه عليه الصلاة والسلام : لا تثنى فلتأته ، أي لا تشاع ولا تذاع ، يقال : نثوت الحديث أنثوه نثوا ، والنّثا في الكلام يطلق على القبيح والحسن ، يقال : ما أقبح نثاه ، وما أحسنه ، والفلتات : جمع فلتة ، وهي الزلة ، أراد أنه لم يكن لمجلسه فلتات فتنثى » اه . ( 2 ) هذا عجز بيت لعمرو بن أحمر من كلمة يصف فيها فلاة ، وصدره قوله : لا تفزع الأرنب أهوالها ووقع في ب ، ج « ينحجر » بتقديم الحاء المهملة ، والصواب تقديم الجيم .