ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
58
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
في مقام المبالغة فينعكس المعنى فيه إلى ضده ، كما جاء لأبي كرّام « 1 » التميمي من شعراء الحماسة وهو قوله « 2 » : للّه تيم أيّ رمح طراد * لاقى الحمام وأيّ نصل جلاد « 3 » ومحشّ حرب قدم متعرّض * للموت غير مكذّب حيّاد « 4 » فلفظة « حيّاد » قد وردت هاهنا : وإنما أوردها هذا الشاعر وقصد بها المبالغة في وصف شجاعة هذا الرجل فانعكس عليه المقصد الذي قصده ، لأن حيادا من حيّد فهو حيّاد : أي وجد منه الحيدودة مرارا ، كما يقال : قتّل فهو قتّال : أي وجد منه القتل مرارا ، وإذا كان هذا الرجل غير حيّاد كان حائدا : أي وجدت منه الحيدودة مرة واحدة ، وإذا وجدت منه مرة كان ذلك جبنا ، ولم يكن شجاعة ، والأولى أن كان قال : غير مكذب حائد . وينبغي أن يعلم أنه إذا وردت لفظة من الألفاظ ويجوز حملها على التضعيف الذي هو طريق المبالغة وحملها على غيره أن ينظر فيها ؛ فإن اقتضى حملها على المبالغة فهو الوجه . فمن ذلك قول البحتري في قصيدته التي مطلعها :
--> ( 1 ) ويقال : هو أبو كدام ، بالدال ، بزنة كتاب . ( 2 ) رواهما أبو تمام في الحماسة في باب الرثاء ، وانظر شرح التبريزي ( 2 - 213 ) . ( 3 ) تيم : رجل من بني يشكر ، وكان قد بارز أبا كرام ، فقتله ، فأخذ يفخم شأنه لأنه إذا أثنى عليه بالشجاعة والإقدام كان ذلك أعظم فخرا له . ( 4 ) محش الحرب : موقدها ومثيرها ، وفي الحماسة « غير معرد » والتعريد : ترك القصد وسرعة الانهزام ، ومنه قول الشاعر : ظننتك إن شبّت لظى الحرب صاليا * فعرّدت فيمن كان عنها معرّدا ووقع هنا في ب ، ج « جياد » بالجيم ، وهو تصحيف ، وصوابه « حياد » بالحاء المهملة من حاد يحيد ، إذا مال ونكص ، ووقع على الصواب في الحماسة .