ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

54

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

ومتى نجد يوما فساد عشيرة * نصلح وإن نر صالحا لا نفسد « 1 » وهذا كثير سائغ في الكلام ، إلا أنه لا يتأتى لمكان العناية بما يعبر به عنه ، ألا ترى إلى قول الشاعر : « إنا لنصفح عن مجاهل قومنا » فإنه لما كان الصفح مما يشقّ على النفس فعله ؛ لأنه مقابلة الشر بالخير والإساءة بالإحسان ؛ أكّده باللام ، تحقيقا له . فإن عرى الموضع الذي يؤتى فيه بهذه اللام من هذه الفائدة المشار إليها وما يجري مجراه ، فإنّ ورود اللام فيه لغير سبب اقتضاه . وأكثر ما تستعمل هذه اللام في جواب القسم لتحقيق الأمر المقسم عليه ، وذلك في الإيجاب ، دون النفي ؛ لأنها لا تستعمل في النفي ، ألا ترى أنه لا يقال : واللّه للاقمت ، وإنما يقال : واللّه لاقمت ، لكن في الإيجاب تستعمل ، ويكون استعمالها حسنا ، كقولك : واللّه لأقوم ، فإن أضيف « 2 » إليها النونان الخفيفة والثقيلة كان ذلك أبلغ في التأكيد كقولك : واللّه لأقومنّ ، وعلى ذلك وردت الآية المتقدم ذكرها ، وهي قوله تعالى : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ؛ وإن لم يكن جوابا لقسم فالنون الواردة بعد اللام زيادة في التأكيد ، وهما تأكيدان أحدهما مردف بالآخر . وكذلك فاعلم أن النون الثقيلة متصلة بهذا الباب ، فإذا استعملت في موضع فإنما يقصد بها التأكيد . فمما جاء منها قول البحتري في معاتبة الفتح بن خاقان « 3 » :

--> ( 1 ) رواية الحماسة « ومتى نخف » . ( 2 ) النون واجبة في كل مضارع مثبت يقع جوابا لقسم ؛ إذا اتصل به اللام ؛ فما يفيده ظاهر عبارة المؤلف من جواز اقترانه بالنون وتركه غير مقصود . ( 3 ) الأبيات من قصيدة له مروية في ديوانه على أنه يمدح فيها المتوكل على اللّه ، وأولها قوله : شوق إليك تفيض منه الأدمع * وجوى عليك تضيق عنه الأضلع وفي القصيدة نفسها ما يؤكد أن الممدوح بها هو المتوكل ، انظر إلى قوله فيها : شرفا بني العبّاس ؛ إنّ أباكم * عمّ النّبيّ وعيصه المتفرّع إنّ الفضيلة للّذي استسقى به * عمر وشفّع إذ غدا يستشفع وأرى الخلافة وهي أعظم رتبة * حقّا لكم ووراثة ما تنزع وفيها قوله : يا أيّها الملك الّذي سقت الورى * من راحتيه غمامة ما تقلع