ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
48
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
خلق النسل عطفه بثم ؛ لما بينهما التراخي ، وحيث صار إلى التقدير الذي يتبع بعضه بعضا من غير تراخ عطفه بالفاء ، ولما انتهى إلى جعله ذكرا أو أنثى - وهو آخر الخلق - عطفه بثم . فإن قيل : إنه قد عطف المضغة على العلقة في هذه الآية بالفاء ، وفي أخرى بثم ، وهي قوله تعالى : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة . فالجواب عن ذلك « 1 » . واعلم أن في حروف العطف موضعا تلتبس [ فيه ] الفاء بالواو ، وهو موضع يحتاج فيه إلى فضل تأمل ، وذلك أن فعل المطاوعة لا يعطف عليه إلا بالفاء ، دون الواو ، وقد يجيء من الأفعال ما يلتبس بفعل المطاوعة ، ويعطي ظاهره أنه كذلك إلا أن معناه يكون مخالفا لمعنى فعل المطاوعة فيعطف حينئذ بالواو ؛ لا بالفاء ، كقوله تعالى : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه فقوله : أغفلنا قلبه هاهنا بمعنى صادفناه غافلا ، وليس منقولا عن غفل حتى يكون معناه صددناه ؛ لأنه لو كان كذلك لكان معطوفا عليه بالفاء ، وقيل : فاتبع هواه ، وذلك أنه يكون مطاوعا ، وفعل المطاوعة لا يعطف إلا بالفاء ، كقولك : أعطيته فأخذ أو دعوته فأجاب ، ولا تقول : أعطيته وأخذ ، ولا دعوته وأجاب ، كما لا يقال : كسرته وانكسر . وكذلك لو كان معنى أغفلنا في الآية صددنا ومنعنا لكان معطوفا عليه بالفاء ، وكان يقال : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه ، فلما لم يكن كذلك وكان العطف عليه
--> ( 1 ) سقط هذا الجواب من جميع أصول الكتاب التي بين أيدينا . ونريد أن ننبهك إلى شيء ، وهو أن الزمن الذي تصير فيه النطفة علقة طويل ، ولكن الحالتين متصلتان ، فأحيانا ينظر إلى طول الزمان فيعطف بثم ، وأحيانا ينظر إلى اتصال الحالين ثانيهما بأولهما من أن غير أن يفصل بينهما بغيرهما فيعطف بالفاء ، ومثل هذا « تزوج محمد فولد له » ؛ وشيء آخر ، وهو أن صيرورة التراب نطفة أمر مستبعد في ظاهر الحال ، ومثل ذلك صيرورة النطفة علقة ؛ لاختلاف إحداهما عن الأخرى اختلافا ظاهرا ، ولكن صيرورة العلقة مضغة لا غرابة فيه لتقاربهما ؛ فلهذا الوجه عطف في الآية الأولى في الحالين الأولين بثم ، وعطف فيما بعدهما بالفاء وفي الآية الثانية لوحظت أطوار الخلق وتباعد الأوقات بين كل طورين .