ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

43

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

واعلم أن هذا الضرب من الكلام هو ضد الفصاحة ؛ لأن الفصاحة هي الظهور والبيان ، وهذا عار عن هذا الوصف . أما الضرب الثاني الذي يختص بدرجة التقدم في الذكر لاختصاصه بما يوجب له ذلك فإنه مما لا يحصره حدّ ، ولا ينتهي إليه شرح ، وقد أشرنا إلى نبذة منه في هذا الكتاب ليستدل بها على أشباهها ونظائرها . فمن ذلك تقديم السبب على المسبب ، كقوله تعالى : إياك نعبد وإياك نستعين فإنه إنما قدّم العبادة على الاستعانة لأن تقديم القربة والوسيلة قبل طلب الحاجة أنجح لحصول الطلب ، وأسرع لوقوع الإجابة ولو قال إياك نستعين وإياك نعبد لكان جائزا إلا أنه لا يسدّ ذلك المسدّ ، ولا يقع ذلك الموقع ، وهذا لا يخفى على المنصف من أرباب هذه الصناعة ، وعلى نحو منه جاء قوله تعالى : وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا فقدّم حياة الأرض وإسقاء الأنعام على إسقاء الناس ، وإن كانوا أشرف محلّا ؛ لأن حياة الأرض هي سبب لحياة الأنعام والناس ، فلما كانت بهذه المثابة جعلت مقدمة في الذكر ، ولما كانت الأنعام من أسباب التعيش والحياة للناس قدمها في الذكر على الناس ؛ لأن حياة الناس بحياة أرضهم وأنعامهم ، فقدم سقي ما هو سبب نمائهم ومعاشهم على سقيهم . ومن هذا الضرب تقديم الأكثر على الأقل ، كقوله تعالى : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات . وإنما قدم الظالم لنفسه للإيذان بكثرته ، وأن معظم الخلق عليه ، ثم أتى بعده بالمقتصدين لأنهم قليل بالإضافة إليه ، ثم أتى بالسابقين وهم أقل من القليل أعني من المقتصدين ؛ فقدم الأكثر ، وبعده الأوسط ، ثم ذكر الأقل آخرا ، ولو عكست القضية المعنى أيضا واقعا في موقعه ؛ لأنه يكون قد روعي فيه تقديم الأفضل فالأفضل . ولنوضح لك في هذا وأمثاله طريقا تقتفيه ، فنقول : اعلم أنه إذا كان الشيئان كل واحد منهما مختصا بصفة فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت في الذكر ، كهذه