ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
396
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
ألم تر تغليس الرّبيع المبكّر « 1 » ولو أخذت في تعداد قصائد الشعراء في الأغراض التي أشار إليها وخصّ بها الكاتب لأطلت وذكرت الكثير الذي يحتاج إلى أوراق كثيرة ، وكل هذه الفروق التي نصّ عليها وعدّدها فليست بشيء ، ولا فرق بين الكتابة والشعر فيها . والذي عندي في الفرق بينهما هو من ثلاثة أوجه : الأول : من جهة نظم أحدهما ونثر الآخر ، وهذا فرق ظاهر . الثاني : أن من الألفاظ ما يعاب استعماله نثرا ، ولا يعاب نظما ، وذلك شيء استخرجته ، ونبهت عليه في القسم الأول المختص باللفظة المفردة في المقالة الأولى من هذا الكتاب « 2 » ، وسأعيد هاهنا منه شيئا ؛ فأقول : قد ورد في شعر أبي تمام قوله : هي العرمس الوجناء وابن ملمّة * وجأش على ما يحدث الدّهر خافض وكذلك ورد في شعر أبي الطيب المتنبي ، كقوله : ومهمه جبته على قدمي * تعجز عنه العرامس الذّلل فلفظة المهمة والعرامس لا يعاب استعمالها في الشعر ، ولو استعملا في كتاب أو خطبة كان استعمالها معيبا ، وكذلك ما يشاكلهما ويناسبهما من الألفاظ ؛ وكل ذلك قد ضبطته بضوابط وحددته بحدود تفصله من غيره من الألفاظ ؛ فليؤخذ من المقالة الأولى ، ولولا خوف التكرار لأعدته هاهنا . الثالث : أن الشاعر إذا أراد أن يشرح أمورا متعددة ذوات معان مختلفة في شعره واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم مائتي بيت أو ثلاثمائة أو أكثر من ذلك فإنه لا يجيد في الجميع ، ولا في الكثير منه ، بل يجيد في جزء قليل ، والكثير من ذلك
--> ( 1 ) هذا صدر المطلع ، وعجزه قوله : وما حاك من وشي الرّياض المنشّر ( 2 ) انظر الجزء الأول من هذا الكتاب وفيه هذان البيتان أيضا .