ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
393
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
حسن اسمه من بعده ، إلا من حظي بكاتب خطب عنه ، وفخّم أمر دولته ، وجعل ذكرها خالدا يتناقله الناس ، رغبة في فصل خطابه ، واستحسانا لبداعة كلامه ، فيكون ذكرها في خفارة ما دوّنه قلمه ، ورقمته أساطيره ، وليس الكاتب بكاتب حتى يضطر عدوّ الدولة أن يروي أخبار مناقبها في حفله ، ويصبح ولسانه حامدا لمساعيها وبقلبه ما به من غله ، ولقد أحسن أبو تمام في هذا المعنى حيث قال : سأجهد حتّى أبلغ الشّعر شأوه * وإن كان طوعا لي ولست بجاهد فإن أنا لم يحمدك عنّي صاغرا * عدوّك فاعلم أنّني غير حامد وهذا الذي ذكرته حق وصدق ، لا ينكره إلا جاهل به ، وأنا أسأل اللّه الزيادة من فضله ، وإن لم أكن أهلا له فإنه هو من أهله . ووقفت على كلام لأبي إسحاق الصابي في الفرق بين الكتابة والشعر ، وهو جواب لسائل سأله ؛ فقال : إن طريق الإحسان في منثور الكلام يخالف طريق الإحسان في منظومه ، لأن الترسّل هو ما وضح معناه ، وأعطاك سماعه في أول وهلة ما تضمنته ألفاظه ، وأفخر الشعر ما غمض فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة منه . ثم قال بعد ذلك : ولسائل أن يسأل فيقول : من أية جهة صار الأحسن في معنى الشعر الغموض ، وفي معاني الترسّل الوضوح ؛ فالجواب ) أن الشعر بني على حدود مقررة ، وأوزان مقدرة ، وفصلت أبياته ؛ فكان كل بيت منها قائما بذاته ، وغير محتاج إلى غيره ، إلا ما جاء على وجه التضمين ، وهو عيب ، فلما كان النّفس لا يمتد في البيت الواحد بأكثر من مقدار عروضه وضربه ، وكلاهما قليل ؛ احتيج إلى أن يكون الفصل في المعنى ، فاعتمد أن يلطف ويدق ، والترسّل مبنيّ على مخالفة هذه الطريق ؛ إذ كان كلاما واحدا لا يتجزأ ولا يتفصل إلا فصولا طوالا ، وهو موضوع وضع ما يهذ هذا أو يمر به على أسماع شتى من خاصة ورعية ، وذوي أفهام ذكية وأفهام غبية ؛ فإذا كان متسلسلا ساغ فيها وقرب ، فجميع ما يستحب في الأول يكره في الثاني ، حتى إن التضمين عيب في الشعر ، وهو فضيلة في الترسل . ثم قال بعد ذلك : والفرق بين المترسلين والشعراء أن الشعراء إنما أغراضهم