ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
387
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
خذلته قوّته وقد كافحته * فاستنصر التّسليم والتّجديلا سمع ابن عمّته به وبحاله * فمضى يهرول أمس منك مهولا وأمرّ ممّا فرّ منه فراره * وكقتله ألّا يموت قتيلا تلف الّذي اتّخذ الجراءة خلّة * وعظ الّذي اتّخذ الفرار خليلا وسأحكم بين هاتين القصيدتين ، والذي يشهد به الحق وتتقيه العصبية أذكره ، وهو أن معاني أبي الطيب أكثر عددا ، وأسدّ مقصدا ، ألا ترى أن البحتري قد قصر مجموع قصيدته على وصف شجاعة الممدوح : في تشبيهه بالأسد مرة ، وتفضيله عليه أخرى ، ولم يأت بشيء سوى ذلك ، وأما أبو الطيب فإنه أتى بذلك في بيت واحد ، وهو قوله : أمعفّر اللّيث الهزبر بسوطه * لمن ادّخرت الصّارم المصقولا ثم إنه تفنن في ذكر الأسد ؛ فوصف صورته وهيئته ، ووصف أحواله في انفراده في جنسه وفي هيئة مشيه واختياله ، ووصف خلق نجله مع شجاعته ، وشبه الممدوح به في الشجاعة ، وفضّله عليه بالسخاء ، ثم إنه عطف بعد ذلك على ذكر الأنفة والحمية التي بعثت الأسد على قتل نفسه بلقاء الممدوح ، وأخرج ذلك في أحسن مخرج ، وأبرزه في أشرف معنى ، وإذا تأمل العارف بهذه الصناعة أبيات الرجلين عرف ببديهة النظر ما أشرت إليه ، والبحتري وإن كان أفضل من المتنبي في صوغ الألفاظ وطلاوة السبك فالمتنبي أفضل منه في الغوص على المعاني ، ومما يدلك على ذلك أنه لم يعرض لما ذكره في أبياته الرائية لعلمه أن بشرا قد ملك رقاب تلك المعاني واستحوذ عليها ، ولم يترك لغيره شيئا يقوله فيها ، ولفطانة أبي الطيب لم يقع فيما وقع فيه البحتري من الانسحاب على ذيل بشر ؛ لأنه قصر عنه تقصيرا كثيرا ، ولما كان الأمر كذلك عدل أبو الطيب عن سلوك الطريق وسلك غيرها ، فجاء فيما أورد مبرزا . واعلم أن من أبين البيان في المفاضلة بين أرباب النظم والنثر أن يتوارد اثنان منهما على مقصد من المقاصد يشتمل على عدة معان ؛ كتوارد البحتري والمتنبي