ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
376
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
أو ضعفه واتّساق ذلك اللفظ أو اضطرابه ، وإلّا فكلّ كلام له تأليف يخصه بحسب المعنى المندرج تحته ، وهذا مثل قولنا : العسل أحلى من الخل ؛ فإنه ليس في الخل حلاوة حتى تقاس حلاوة العسل عليها . وهذا القول فاسد ؛ فإنه لو كان ما ذهب إليه هؤلاء من منع المفاضلة حقا لوجب أن تسقط التفرقة بين جيد الكلام ورديئه وحسنه وقبيحة ، وهذا محال ، وإنما خفي عليهم ذلك لأنهم لم ينظروا إلى الأصل الذي تقع المفاضلة فيه ، سواء اتفقت المعاني أو اختلفت ، ومن هاهنا وقع لهم الغلط . وسأبين ذلك فأقول : من المعلوم أن الكلام لا يختص بمزية من الحسن حتى تتصف ألفاظه ومعانيه بوصفين هما الفصاحة والبلاغة ، فثبت بهذا أن النظر إنما هو في هذين الوصفين اللذين هما الأصل في المفاضلة بين الألفاظ والمعاني على اتفاقهما واختلافهما ؛ فمتى وجدا في أحد الكلامين دون الآخر أو كانا أخص به من الآخر حكم له بالفضل . وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج في تفضيل الشعر أشياء تتضمن خبطا كثيرا ، وهو مروي عن علماء العربية ، لكن عذرتهم في ذلك ؛ فإن معرفة الفصاحة والبلاغة شيء خلاف معرفة النحو والإعراب . فمما وقفت عليه أنه سئل أبو عمرو بن العلاء عن الأخطل فقال : لو أدرك يوما واحدا من الجاهلية ما قدمت عليه أحدا . وهذا تفضيل بالأعصار ، لا بالأشعار ، وفيه ما فيه ، ولو [ لا ] أن أبا عمرو عندي بالمكان العلى لبسطت لساني في هذا الموضع . وسئل جرير عن نفسه وعن الفرزدق والأخطل ، فقال : أما الفرزدق ففي يده نبعة من الشعر وهو قابض عليها ، وأما الأخطل فأشدّنا اجتراء وأرمانا للقرائض ، وأما أنا فمدينة الشعر . وهذا القول في التفضيل قول إقناعيّ لا يحصل منه على تحقيق ، لكنه أقرب حالا مما روي عن أبي عمرو بن العلاء . وسئل الأخطل عن أشعر الناس ، فقال : الذي إذا مدح رفع ، وإذا هجا وضع ، فقيل : فمن ذاك ؟ قال : الأعشى ، قيل : ثم من ؟ قال : طرفة . وهذا قول فيه بعض