ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
348
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وعلمت حينئذ أن سبب ذلك عدم الحفظ للأشعار ، والاقتناع بالنظر في دواوينهما ، ولمّا نصبت نفسي للخوض في علم البيان ورمت أن أكون معدودا من علمائه علمت أن هذه الدرجة لا تنال إلا بنقل ما في الكتب إلى الصدور والاكتفاء بالمحفوظ عن المسطور : ليس بعلم ما حوى القمطر * ما العلم إلّا ما حواه الصّدر ولقد وقفت من الشعر على كل ديوان ومجموع ، وأنفدت شطرا من العمر في المحفوظ منه والمسموع ، فألفيته بحرا لا يوقف على ساحله ، وكيف ينتهي إلى إحصاء قول لم تحص أسماء قائله ، فعند ذلك اقتصرت منه على ما تكثر فوائده ، وتتشعب مقاصده ، ولم أكن ممن أخذ بالتقليد والتسليم ، في اتباع من قصر نظره على الشعر القديم ؛ إذ المراد من الشعر إنما هو إيداع المعنى الشريف ، في اللفظ الجزل واللطيف ، فمتى وجد ذلك فكل مكان خيمت فهو بابل ، وقد اكتفيت في هذا بشعر أبي تمام حبيب بن أوس وأبي عبادة الوليد وأبي الطيب المتنبي ، وهؤلاء الثلاثة هم لات الشعر وعزّاه ومناته ، الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته ، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين إلى فصاحة القدماء ، وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء . أما أبو تمام فإنه ربّ معان ، وصيقل ألباب وأذهان ، وقد شهد له بكل معنى مبتكر ، لم يمش فيه على أثر ؛ فهو غير مدافع عن مقام الإغراب ، الذي برز فيه على الأضراب ، ولقد مارست من الشعر كل أول وأخير ، ولم أقل ما أقول فيه إلا عن تنقيب وتنقير ؛ فمن حفظ شعر الرجل وكشف عن غامضه وراض فكره برائضه أطاعته أعنة الكلام ، وكان قوله في البلاغة ما قالت حذام ؛ فخذ مني في ذلك قول حكيم ، وتعلّم ففوق كل ذي علم عليم . وأما أبو عبادة البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى ، وأراد أن يشعر فغنّى ، ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق ، فبينا يكون في شظف نجد إذ تشبث بريف العراق ، وسئل أبو الطيب المتنبي عنه ، وعن أبي تمام ، وعن نفسه ؛ فقال : أنا وأبو تمام حكيمان ، والشاعر البحتري ، ولعمري إنه أنصف في