ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
342
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
النوع الثلاثون في السرقات الشعرية ولربما اعترض معترض في هذا الموضوع فقال : قد تقدم نثر الشعر في أول الكتاب ، وهو أخذ الناثر من الناظم ، ولا فرق بينه وبين أخذ الناظم من الناظم ، فلم يكن إلى ذكر السرقات الشعرية إذن حاجة . ولو أنعم هذا المعترض نظره لظهر له الفرق ، وعلم أن نثر الشعر لم يتعرض فيه إلى وجوه المأخذ وكيفية التوصل إلى مداخل السرقات ؛ وهذا النوع يتضمن ذكر ذلك مفصلا . واعلم أن الفائدة من هذا النوع أنك تعلم أين تضع يدك في أخذ المعاني ؛ إذ لا يستغني الآخر عن الاستعارة من الأول ، لكن لا ينبغي لك أن تعجل في سبك اللفظ على المعنى المسروق فتنادي على نفسك بالسرقة ، فكثيرا ما رأينا من عجل في ذلك فعثر ، وتعاطى فيه البديهة فعقر ، والأصل المعتمد عليه في هذا الباب التورية والاختفاء بحيث يكون ذلك أخفى من سفاد الغراب ، وأظرف من عنقاء مغرب في الإغراب . وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه ليس لقائل أن يقول : إن لأحد من المتأخرين معنى مبتدعا ؛ فإن قول الشعر قديم منذ نطق باللغة العربية ، وإنه لم يبق معنى من المعاني إلا وقد طرق مرارا . وهذا القول وإن دخل في حيز الإمكان إلا أنه لا يلتفت إليه ؛ لأن الشعر من الأمور المتناقلة ، والذي نقلته الأخبار وتواردت عليه أن العرب كانت تنظم المقاطيع من الأبيات فيما يعنّ لها من الحاجات ، ولم يزل الحال على هذه الصورة إلى عهد امرئ القيس ، وهو قبل الإسلام بمائة سنة زائدا فناقصا ؛ فقصّد القصائد ، وهو أول من قصّد ، ولو لم يكن له معنى اختص به سوى أنه أول من قصّد القصائد لكان في ذلك كفاية ، وأي فضيلة أكبر من هذه الفضيلة ؟ ثم تتابع المقصّدون ، واختير من