ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
338
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وأما البيت الآخر ، وهو : خرقاء يلعب بالعقول حبابها * كتلعّب الأفعال بالأسماء فليس بمنكر ، وهل يشك في أن التشبيه الذي تضمنه واقع في موقعه ؟ ألا ترى أن الفعل ينقل الاسم من حال إلى حال ، وكذلك تفعل الخمر بالعقول في تنقلّ حالاتها ، فما الذي أنكره ابن سنان من ذلك ؟ وقد جاء لبعض المتأخرين من هذا الأسلوب ما لا يدافع في حسنه ، وهو قوله : عوامل رزق أعربت لغة الرّدى * فجسم له خفض ورأس له نصب فإنه لما حصل له المشابهة في الاسمية بين عوامل الرماح والعوامل النحوية حسن موقع ما ذكره من الخفض والنصب ، وعلى ما ذكره ابن سنان فإن ذلك غير جائز ، وهو من مستحسنات المعاني ، هذا من أعجب الأشياء ! ! . وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم : وفتى من آزن * فاق أهل البصرة أمّه معرفة * وأبوه نكره وهل يشك في حسن هذا المعنى ولطافته ؟ . وكذلك ورد من هذا النوع في شعر بعض العراقيين يهجو طبيبا فقال : قال حمار الطّبيب توما * لو أنصفوني لكنت أركب « 1 » لأنّني جاهل بسيط * وراكبي جهله مركّب وهذا من المعنى الذي أغرب في الملاحة ، وجمع بين خفة السخرية ووقار
--> ( 1 ) يروى هذان البيتان في كثير من كتب الأدب على هذا الوجه ، ووقع في بعضها « قال حمار الحكيم توما » وفي بعضها « قال حمار الحكيم يوما » .