ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

330

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

أحلّت دمي من غير جرم وحرّمت * بلا سبب يوم اللّقاء كلامي « 1 » فليس الّذي حلّلته بمحلّل * ليس الّذي حرّمته بحرام فليس يذهب على السامع وقد عرف البيت الأول وصدر البيت الثاني أن عجزه هو ما قاله البحتري . وقد جاء الإرصاد في الكلام المنثور كما جاء في الشعر ؛ فمن ذلك قوله تعالى : وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون فإذا وقف السامع على قوله تعالى لقضي بينهم فيما فيه عرف أن بعده يختلفون لما تقدم من الدلالة عليه . ومن ذلك أيضا قوله عز وجل : فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون . على نحو منه جاء قوله تعالى : مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت فإذا وقع السامع على قوله عز وجل وإن أوهن البيوت يعلم أن بعده بيت العنكبوت . ورأيت أبا هلال العسكري « 2 » قد سمى هذا النوع التّوشيح ؛ وليس كذلك ، بل

--> ( 1 ) هذا البيت ليس متصلا بما بعده في القصيدة ، بل بينهما بيتان ، وهما قوله : فداؤك ما أبقيت منّي فإنّه * حشاشة جسم في نحول عظامي صلي مغرما قد واتر الشّوق دمعه * سجاما على الخدّين بعد سجام ومن لطيف ما جاء من هذا النوع قول البحتري أيضا : أبكيكما دمعا ، ولو أنّي على * قدر الجوى أبكي بكيتكما دما ومن جيده قول الآخر : ولو أنّني أعطيت من دهري المنى * وما كلّ من يعطى المنى بمسدّد لقلت لأيّام مضين ألا ارجعي * وقلت لأيّام أتين ألا أبعدي ( 2 ) انظر كتاب « الصناعتين » لأبي هلال العسكري ( ص 302 الآستانة ) .