ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
313
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
بالذم ، ولو كان هذا الأمر يرجع إلى المعنى فقط لكانت جميع الألفاظ الدالة عليه سواء في الاستعمال ، وإنما يرجع في ذلك إلى العرف دون الأصل . ولنضرب له مثالا فنقول : هل يجوز أن يخاطب الملك فيقال له : وحقّ دماغك ؛ قياسا على وحقّ رأسك ؟ وهذا يرجع إلى أدب النفس دون أدب الدرس . فإذا أراد مؤلف الكلام أن يمدح ذكر الرأس والهامة والكاهل ، وما جرى هذا المجرى ، فإذا أراد أن يهجو ذكر الدّماغ والقفا والقذال ، وما جرى هذا المجرى ، وإن كانت معاني الجميع متقاربة ، ومن أجل ذلك حسنت الكناية في الموضع الذي يقبح فيه التصريح . ومن أحسن ما بلغني من أدب النفس في الخطاب أن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه سأل قباث بن أشيم ، فقال له : أنت أكبر أم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ فقال : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أكبر مني وأنا أقدم منه في الميلاد ، فانظر إلى أدب هذا العربي الذي من شأنه وشأن أمثاله جفاء الأخلاق والبعد عن فطانة الآداب . وأما الإفراط فقد ذمه قوم من أهل هذه الصناعة ، وحمده آخرون ، والمذهب عندي استعماله ؛ فإن أحسن الشعر أكذبه ، بل أصدقه أكذبه ، لكنه تتفاوت درجاته ؛ فمنه المستحسن الذي عليه مدار الاستعمال ، ولا يطلق على اللّه سبحانه وتعالى ؛ لأنه مهما ذكر به من المعاملات في صفاته فإنه دون ما يستحقه . ومما ورد من ذلك في الشعر قول عنترة « 1 » : وأنا المنيّة في المواطن كلّها * والطّعن منّي سابق الآجال « 2 »
--> ( 1 ) من قصيدة له يقولها وقد أغار على بني ضبة ، وأولها قوله : عفت الدّيار وباقي الأطلال * ريح الصّبا وتقلّب الأحوال وعفا مغانيها فأخلق رسمها * ترداد وكف العارض الهطّال ( 2 ) رواية الديوان « وأنا المنية حين تشتجر القنا » وبعد البيت قوله : ولربّ قرن قد تركت مجدّلا * ولبانه كنواضح الجريال تنتابه طلس السّباع مغادرا * في قفرة متمزّق الأوصال ولربّ خيل قد وزعت رعيلها * بأقبّ لا ضغن ولا مجفال ومسربل حلق الحديد مدجّج * كاللّيث بين عرينة الأشبال