ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
309
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وقال : إنه جمع الجفنات والأسياف جمع قلة ، وهو في مقام فخر ، وهذا مما يحطّ من المعنى ويضع منه ، وقد ذهب إلى هذا غيره أيضا ، وليس بشيء ؛ لأن الغرض إنما هو الجمع ؛ فسواء أكان جمع قلة أم جمع كثرة ، ويدل على ذلك قوله تعالى : إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين . شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم أفترى نعم اللّه أكانت قليلة على إبراهيم صلوات اللّه عليه ، وكذلك ورد قوله عز وجل في سورة النمل : وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين . فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين . وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين فقال : واستيقنتها أنفسهم فجمع النفس جمع قلة ، وما كان قوم فرعون بالقليل حتى تجمع نفوسهم جمع قلة ، بل كانوا مئين ألوفا ، وهذا أيضا مما يبطل قول الصولي وغيره في مثل هذا الموضع ؛ وكذلك ورد قوله عز وجل : الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها والنفوس المتوفاة والنائمة لا ينتهي إلى كثرتها كثرة ؛ لأنها نفوس كل من في العالم . واعلم أن للمدح ألفاظا تخصّه ، وللذم ألفاظا تخصّه ، وقد تعمّق قوم في ذلك حتى قالوا : من الأدب ألّا تخاطب الملوك ومن يقاربهم بكاف الخطاب ، وهذا غلط بارد ؛ فإن اللّه الذي هو ملك الملوك قد خوطب بالكاف في أول كتابه العزيز فقيل : إياك نعبد وإياك نستعين وقد ورد أمثال هذا في مواضع من القرآن غير محصورة ، إلا أني قد راجعت نظري في ذلك ، فرأيت الناس بزمانهم أشبه منهم بأيامهم ، والعوائد لا حكم لها ، ولا شك أن العادة أوجبت للناس مثل هذا التعمق في ترك الخطاب بالكاف ، لكني تأملت أدب الشعراء والكتّاب في هذا الموضع فوجدت الخطاب لا يعاب في الشعر ويعاب في الكتابة إذا كان المخاطب دون المخاطب درجة ، وأما إن كان فوقه فلا عيب في خطابه إياه بالكاف ؛ لأنه ليس من التفريط في شيء .