ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
287
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
فقال المتنبي : إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا هو أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا ، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه البزّاز كما يعلمه الحائك ؛ لأن البزاز يعرف جملته ، والحائك يعرف تفاصيله ، وإنما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد ؛ وقرن السماحة بسباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء ، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول اتبعته بذكر الردى في آخره ، ليكون أحسن تلاؤما ، ولما كان وجه المنهزم الجريح عبوسا وعينه باكية قلت « ووجهك وضّاح وثغرك باسم » لأجمع بين الأضداد . القسم الثاني : في صحة التقسيم وفساده . ولسنا نريد بذلك هاهنا ما تقتضيه القسمة العقلية ، كما يذهب إليه المتكلمون ؛ فإن ذلك يقتضي أشياء مستحيلة ، كقولهم : الجواهر لا تخلو : إما أن تكون مجتمعة ، أو مفترقة ، أو لا مجتمعة ولا مفترقة ، أو مجتمعة ومفترقة معا ، أو بعضها مجتمعة وبعضها مفترقة ؛ ألا ترى أن هذه القسمة صحيحة من حيث العقل ؛ لاستيفاء الأقسام جميعها وإن كان من جملتها ما يستحيل وجوده . وإنما نريد بالتقسيم هاهنا ما يقتضيه المعنى مما يمكن وجوده من غير أن يترك منها قسم واحد ، وإذا ذكرت قام كلّ قسم منها بنفسه ، ولم يشارك غيره ، فتارة يكون التقسيم بلفظة « إما » وتارة بلفظة بين كقولنا : بين كذا وكذا ، وتارة منهم ، كقولنا : منهم كذا ، ومنهم كذا ، وتارة بأن يذكر العدد المراد أولا بالذكر ، ثم يقسم ؛ كقولنا : فانشعب القوم شعبا أربعة ؛ فشعبة ذهبت يمينا ، وشعبة ذهبت شمالا ، وشعبة وقفت بمكانها ، وشعبة رجعت إلى ورائها . فمما جاء من هذا القسم قوله تعالى : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات وهذه قسمة صحيحة ؛ فإنه لا يخلو أقسام العباد من هذه الثلاثة : فإما عاص ظالم لنفسه ، وإما مطيع مبادر إلى الخيرات ، وإما مقتصد بينهما . ومن ذلك أيضا قوله تعالى : وكنتم أزواجا ثلاثة . فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة . وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة . والسابقون السابقون