ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

283

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

فحيث ذكر الرجاء في صدر البيت فكان ينبغي أن يعيد ذكره أيضا في عجزه ، أو كان ذكر الآمال في صدر البيت وعجزه ، وكذلك أخطأ أبو الطيب المتنبي في قوله « 1 » : إنّي لا علم واللّبيب خبير * أنّ الحياة وإن حرصت غرور فإنه قال « إني لأعلم واللبيب خبير » وكان ينبغي أن يقول : إني لأعلم واللبيب عليم ؛ ليكون ذلك تقابلا صحيحا . وهذا الذي ذكره هذا الرجل ليس بشيء ، بل المعتمد عليه في هذا الباب أنه إذا كانت اللفظة في معنى أختها جاز استعمالها في المقابلة بينهما ، والدليل على ذلك ما قدمناه من آيات القرآن الكريم ، وكفى به دليلا . وهذه الرموز التي هي أسرار الكلام لا يتفطّن لاستعمالها إلا أحد رجلين : إما فقيه في علم البيان قد مارسه ، وإما مشقوق اللسان في الفصاحة قد خلق عارفا بلطائفها مستغنيا عن مطالعة صحائفها ، وهذا لا يكون إلا عربيّ الفطرة يقول ما يقوله طبعا ، على أنه لا يسدد في جميع أقواله ، ما لم تكن معرفته الفطرية ممزوجة بمعرفته العرفية . الفرع الثاني في مقابلة الجملة بالجملة : اعلم أنه إذا كانت الجملة من الكلام مستقبلة قوبلت بمستقبلة ، وإن كانت ماضية قوبلت بماضية ، وربما قوبلت الماضية بالمستقبلة ، والمستقبلة بالماضية ؛ إذا كانت إحداهما في معنى الأخرى . فمن ذلك قوله تعالى : قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي فإن هذا تقابل من جهة المعنى ، ولو كان التقابل من جهة اللفظ لقال : وإن اهتديت فإنما أهتدي لها ، وبيان تقابل هذا الكلام من جهة المعنى

--> ( 1 ) هذا مطلع قصيدة له يرثي فيها محمد بن إسحاق التنوخي ، وبعده قوله : ورأيت كلّا ما يعلّل نفسه * بتعلّة ، وإلى الفناء يصير أمجاور الدّيماس رهن قرارة * فيها الضّياء بوجهه والنّور ما كنت أحسب قبل دفنك في الثّرى * أنّ الكواكب في التّراب تغور