ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
260
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وأما الاقتضاب فهو الذي أشرنا إليه في صدر هذا النوع ، وهو : قطع الكلام واستئناف كلام آخر غيره ؛ بلا علاقة تكون بينه وبينه . فمن ذلك ما يقرب من التخلص ، وهو فصل الخطاب ، والذي أجمع عليه المحققون من علماء البيان أنه « أما بعد » ؛ لأن المتكلم يفتتح كلامه في كل أمر ذي شأن بذكر اللّه وتحميده ، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه فصل بينه وبين ذكر اللّه تعالى بقوله « أما بعد » . ومن الفضل الذي هو أحسن من الوصل لفظه « هذا » وهي علاقة وكيدة بين الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره ، كقوله تعالى : واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار . إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار . وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار . واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار . هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب . جنات عدن مفتحة لهم الأبواب ألا ترى إلى ما ذكر قبل هذا ذكر من ذكر من الأنبياء عليهم السلام ، وأراد أن يذكر على عقبه بابا آخر غيره ، وهو ذكر الجنة وأهلها ، فقال : هذا ذكر ثم قال : وإن للمتقين لحسن مآب ثم لما أتمّ ذكر أهل الجنة وأراد أن يعقبه بذكر أهل النار قال : هذا وإن للطاغين لشر مآب وذلك من فصل الخطاب الذي هو ألطف موقعا من التخلص . وقد وردت لفظة « هذا » في الشعر إلا أن ورودها فيه قليل بالنسبة إلى الكلام المنثور ؛ فمن ذلك قول الشاعر المعروف بالخباز البلدي في قصيدة أولها : العيش غضّ والزّمان غرير * إنّي ليعجبني الزّنا في سحرة ويروق لي بالجاشريّة زيره * وأكاد من فرح السّرور إذا بدا ضوء الصّباح من السّتور أطير * وإذا رأيت الجوّ في فضية للغيم في جنباتها تكسير * منقوشة صدر البزاة كأنّه فيروزج قد زانه بلّور