ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

239

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

وهذا فصل من أول الكتاب . ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان ، وهو : سنحت روضة من جانب المجلس السامي جعل اللّه المعالي له رداء ، ونهايات المساعي له ابتداء ، وفداه بمن يقصر عن درجته حتى تكون الأكارم له فداء ، وهدى المحامد لأفعاله وأهدى البقاء لأيامه حتى يجتمع له الأمران هدى وإهداء ، وأتاه من السيادة ما يجعل أعداءه أصادق ومن السعادة ما يجعل أصدقاءه أعداء ، فاستنشق الخادم رباها ، وتلقى بالتحية محيّاها ، واستمتع بأزهارها التي أنبتها سقيا الأقلام لا سقي الغمام ، وقال : هذا ربيع الأرواح لا ربيع الأجسام ، ولو رام الإحاطة بوصفها لكانت الأقوال المطولة فيها مختصرة ، ولكنه اكتفى بأن رفعها على رأسه حتى يتمثل أن الجنة في شجرة ، ومن أوصافها أنها جاءت رائدة ومن شأن الروض أن يرتاد ، وحلت محاسنها التي هي في غيرها من حظ البصر وفيها من حظ السمع والبصر والفؤاد ، ولما سرّح فيها نظره وجد شوقه حمامة تغرد في أكنافها ، وتردّد الشّجى لبعد أليفها إذا رددته الحمائم لقرب ألّافها ، وهذا قول له عند إخوان الصفاء علامة ، وإذا تمثل كتاب الحبيب روضة فهل يتمثل شوق محبّه إلا حمامة ، وأيّ فرق بين هذه وبين أخواتها من ذوات الأطواق ؟ لولا أنها تملي شجوها على صفحات القلوب وتلك تمليه على عذبات الأوراق . وهذا فصل من الكتاب ، وهو غريب عجيب ، وفيه معنيان مبتدعان ، وأعجبهما وأغربهما قولي : « حتى يتمثل أن الجنة في شجرة » وهذا مستخرج من الحديث النبوي . ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان ، وهو : تضوّعت نفحة من تلقاء المجلس السامي رعى اللّه عهده وسقاه ، وصان ودّه ووفاه ، ويسر لي إلقاء العصا بملقاه ، فعطرت الطريق التي سايرتها ، والريح التي جاورتها ، وأتت فأفرشتها خدي ، وضممت عليها ودي ، وجعلتها درعا لجيبي ولطيمة لردني وسخابا لعقدي ، وعلمت أنها ليست بنفحة طيب ، ولكنها كتاب حبيب ، فإن مناشق الأرواح غير مناشق الأجسام ، ولا يستوي عرف الطّيب وعرف الأقلام ، ثم مددت