ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
237
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
أيامها في أيام الدهر أحيانا ، وصوّرها في وجهه عينا وفي عينه إنسانا ، ومدّ ظلّها على الناس عدلا وإحسانا ، وجمع الأمم على دين طاعتها وإن تفرّقوا أديانا ، وأتاها من معجزات سلطانه ما لم ينزل به لغيرها سلطانا ، فارتاح الخادم لالتقائها ، وبسط يده لاستسقائها ، وقال : رحمة مرسلة لا تخشى رعودها ، ولا تخلف وعودها ، ومن شأنها ترويض الصنائع التي تبقي آثارها ، لا الحمائل التي تذوي أزهارها ، وقد يعبر عن الكتاب ونائله ، بالسحاب ووابله ؛ فإن صدر عن يد كيد الديوان العزيز فقد وقع التشبيه موقع الصواب ، وصدق حينئذ قول القائل : إن البحر عنصر السحاب ، لكن فرق بين ما يجود بمائه ، وما يجود بنعمائه ، وبين ما يسم الأرض الماحلة ، وبين ما يسمي الأقدار الخاملة ، وما زالت كتب الديوان العزيز تضرب لها الأمثال ، وتصرف نحوها الآمال ، ويرى الحسد فيها حسدا وإن عدّ في غيرها من سيئ الأعمال . وهذا فصل من أول الكتاب . ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان وأرسلته إليه من الموصل إلى أرض الشمال من بلاد الروم ، وهو : طلع كوكب من أفق المجلس السامي لا خلت سيادته من عدو وحاسد ، ولا شينت بتوأم يخرجها عن حكم الواحد ، ولا عدمت صحبة الجدود المتيقّظة في الزمن الراقد ، ولا أوحشت الدنيا من ذره الخالد الذي هو عمر خالد ، ولا زال مرفوعا إلى المحل الذي يعلم به أن الدهر للناس ناقد ، والكواكب تختلف مطالعها في الشمال والجنوب ؛ فمنها ما يطلع دائما في أحدهما وهو في الآخر دائم الغروب ، وكتاب المجلس كوكب لم ير بهذه الأرض مطلعه ، وإن علم من السماء أين موضعه ، ولما ظهر الآن للخادم سبّح له حامدا ، وخرّ له ساجدا ، وقال : قد عبدت الكواكب من قبلي فلا عجب أن أكون لهذا الكوكب عابدا ، وها أنا قد أصبحت بالعكوف على عبادته مغرى ، وقال الناس : هذا ابن كبشة الكتاب « 1 » لا ابن أبي كبشة الشّعرى . وهذا مطلع غريب ، والسياقة التالية لمطلعه أغرب ، ومن أغرب ما فيها قولي « وها أنا قد أصبحت بالعكوف على عبادته مغرى ، وقال الناس هذا ابن كبشة
--> ( 1 ) كذا في جميع الأصول ، والصواب « هذا ابن أبي كبشة الكتاب » .