ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
227
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
قصر عليه تحيّة وسلام * خلعت عليه جمالها الأيّام وما أجدر هذا البيت بمفتتح شعر إسحاق بن إبراهيم الذي أنشده للمعتصم ؛ فإنه لو ذكر هذا أو ما جرى مجراه لكان حسنا لائقا . وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء ، فقال : من أجاد الابتداء والمطلع ؛ ألا ترى إلى قصيدة أبي نواس التي أولها : يا دار ؛ ما فعلت بك الأيّام * لم تبق فيك بشاشة تستام فإنها من أشرف شعره وأعلاه منزلة ، وهي مع ذلك مستكرهة الابتداء ؛ لأنها في مدح الخليفة الأمين ، وافتتاح المديح بذكر الديار ودثورها مما يتطيّر منه ، لا سيما في مشافهة الخلفاء والملوك . ولهذا يختار في ذكر الأماكن والمنازل ما رقّ لفظه ، وحسن النطق به ، كالعذيب والغوير ورامة وبارق والعقيق ، وأشباه ذلك . ويختار أيضا أسماء النساء في الغزل نحو سعاد وأميم وفوز ، وما جرى هذا المجرى . وقد عيب على الأخطل في تغزّله بقذور ، وهو اسم امرأة ؛ فإنه مستقبح في الذكر ، وقد عيب على غيره التغزل باسم تماضر ، فإنه وإن لم يكن مستقبحا في معناه فإنه ثقيل على اللسان ، كما قال البحتري : إنّ للبين منّة لا تؤدّى * ويدا في تماضر بيضاء فتغزله بهذا الاسم مما يشوّه رقّة الغزل ، ويثقل من خفته ، وأمثال هذه الأشياء يجب مراعاتها والتحرز منها . وقد استثنى من ذلك ما كان اسم موضع تضمن وقعة من الوقائع ؛ فإن ذكره لا يكره ، وإن كان في اسمه كراهة ، كما ذكر أبو تمام في شعره مواضع مكروهة الأسماء لضرورة ذكر الوقائع التي كانت بها ، كذكر الحشال وعقوقس وأمثالهما ، وكذلك ذكر أبو الطيب المتنبي هنزيط وشميصاط وما جرى مجراهما ، وهذا لا عيب