ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

214

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

فصار غريبا عجيبا ، وذاك أنه قال : سقيت بالنار ، وقال : إن النار تشفي من الأوار ، وهو العطش ، وهذا من محاسن ما يأتي في هذا الباب . ومما يجري على هذا النهج قول أبي نواس في شجر الكرم « 1 » : لنا هجمة لا يدّري الذّئب سخلها * ولا راعها غضّ الفحالة والحظر إذا امتحنت ألوانها مال صفوها * إلى الحوّ إلّا أنّ أوبارها خضر ومن هذا القبيل قول بعضهم : سبع رواحل ما ينخن من الونا * شيم تساق بسبعة زهر متواصلات لا الدّءوب يملّها * باق تعاقبها على الدّهر هذان البيتان يتضمنان وصف أيام الزمان ولياليه ، وهي الأسبوع ؛ فإن الزمان عبارة عنه ، وذلك من الألغاز الواقعة في موقعها . وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب المتنبي في السن من جملة قصيدته التي مدح بها سيف الدولة عند ذكر عبوره الفرات ، وهي : الرّأي قبل شجاعة الشّجعان « 2 »

--> ( 1 ) البيتان من ستة أبيات وردت في الديوان ( ص 284 ) وفيهما بعض تغيير ، ونحن نثبت لك الأبيات كلها على ما في الديوان : لنا هجمة لا يدرك الذّئب سخلها * ولا راعها نزو الفحالة والخطر إذا امتحنت ألوانها مال صفوها * إلى الجوّ إلّا أنّ أوبارها خضر فإن قام فيها الحالبون اتّقتهم * بنجلاء ثقب الجوف درّتها الخمر مسارحها الغزّيّ من نهر صرصر * فقطربل فالصّالحيّة فالغفر تراث أنوشروان كسرى ، ولم تكن * مواريث ما أبقت تميم ولا بكر قصرت بها ليلي وليل ابن حرّة * لها حسب زاك وليس له وفر ( 2 ) هذا صدر المطلع ، وعجزه قوله : هو أوّل وهي المحلّ الثّاني وقبل البيتين اللذين أنشدهما المؤلف مما يتم به معناهما قوله : والماء بين عجاجتين مخلّص * تتفرّقان به وتلتقيان ركض الأمير وكاللّجين حبابه * وثنى الأعنّة وهي كالعقيان فتل الحبال من الغدائر فوقه * وبنى السّفين له من الصّلبان يريد أن جيش الأمير صار فريقين في عبور النهر ؛ فريق عبروا ، وفريق لم يعبروا ، ولكل واحد منهما عجاج ، والماء بينهما ؛ فالعجاجتان تفترقان وتلتقيان ، وقال أبو الفتح بن جني : بل يعني عجاجة المسلمين وعجاجة الروم ، والأولى ما ذكرناه أولا ؛ فإن جيش الأمير عند عبور النهر لم يكن قاتل الروم بعد . واللجين : الفضة ، والعقيان الذهب ، والأعنة : جمع عنان ، وهو ما يكون في رأس الفرس ، والأعنة للخيل بمنزلة الأرسان لغيرها . يريد أن سيف الدولة عبر هذا النهر بجيشه وماؤه أبيض كالفضة ، فلما قاتل الروم جرت دماؤهم إلى النهر فعاد أحمر كالذهب . والغدائر : جمع غديرة ، وهي الذؤابة من الشعر والسفين : اسم جنس جمعي ، واحده سفينة ، والصلبان : جمع صليب ، وهو الذي تعظمه النصارى ، يريد اتخذ حبال سفنه من شعر القتلى وبناها من صلبانهم ، أراد أنه غنم منهم وأسر الشيء الكثير .