ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

188

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

مختصا بصفة خاصة تفصله عن عموم الأصل ، كقولنا : الحيوان ينقسم أقساما منها الإنسان ، وحقيقته كذا وكذا ، ومنها الأسد وحقيقته كذا وكذا ، ومنها الفرس وحقيقته كذا وكذا ، ومنها غير ذلك ؛ وهاهنا لم يكن التقسيم كذلك ؛ فإن التمثيل على ما ذكر عبارة عن مجموع الكناية ؛ لأن الكناية إنما هي أن تراد الإشارة إلى معنى فيوضع لفظ لمعنى آخر ، ويكون ذلك اللفظ مثالا للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه ، ألا ترى إلى قوله تعالى : إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فإنه أراد الإشارة إلى النساء ، فوضع لفظا لمعنى آخر ، وهو النعاج ، ثم مثل به النساء ، وهكذا يجري الحكم في جميع ما يأتي من الكنايات ؛ لكن منها ما يتّضح التمثيل فيه وتكون الشّبهيّة بين الكناية والمكنىّ عنه شديدة المناسبة ، ومنه ما يكون دون ذلك في الشبهية ، وقد تأمّلت ذلك ، وحقّقت النظر فيه ؛ فوجدت الكناية إذا وردت على طريق اللفظ المركب كانت شديدة المناسبة واضحة الشبهية ، وإذا وردت على طريق اللفظ المفرد لم تكن بتلك الدرجة في قوة المناسبة والمشابهة ، ألا ترى إلى قولهم : فلان نقيّ الثوب ، وقولهم اللمس كناية عن الجماع ؛ فإن نقاء الثوب أشدّ مناسبة وأوضح شبها ؛ لأنا إذا قلنا نقاء الثوب من الدنس كنزاهة العرض من العيوب اتضحت المشابهة ووجدت المناسبة بين الكناية والمكنى عنه شديدة الملاءمة ، وإذا قلنا اللمس كالجماع لم يكن بتلك الدرجة في قوة المشابهة ، وهذا الذي ذكر من أن من الكناية تمثيلا وهو كذا وكذا غير سائغ ولا وارد ، بل الكناية كلها هي ذاك ، والذي قدمته من القول فيها هو الحاصر لها ، ولم يأت به أحد غيري كذلك . وأما الإرداف فإنه ضرب من اللفظ المركب ، إلا أنه اختصّ بصفة تخصه ، وهي أن تكون الكناية دليلا على المكنى عنه ولازمه له ، بخلاف غيرها من الكنايات ، ألا ترى أن طول النّجاد دليل على طول القامة ولازم له ، وكذلك يقال : فلان عظيم الرّماد : أي كثير إطعام الطعام ، وعليه ورد قول الأعرابية في حديث أم زرع في وصف زوجها : له إبل قليلات المسارح كثيرات المبارك ، إذا سمعن صوت