ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

181

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

وسأذكر ما عندي في الفرق بينهما ، وأميز أحدهما عن الآخر ؛ ليعرف كل منهما على انفراده ؛ فأقول : أما الكناية فقد حدّت بحد ؛ فقيل : هي اللفظ الدالّ على الشيء على غير الوضع الحقيقي بوصف جامع بين الكناية والمكنى عنه ، كاللّمس والجماع ؛ فإن الجماع اسم موضوع حقيقي واللمس كناية عنه ، وبينهما الوصف الجامع ، إذ الجماع لمس وزيادة ، فكان دالا عليه بالوضع المجازي . هذا الحد فاسد ؛ لأنه يجوز أن يكون حدّا للتشبيه ؛ فإن التشبيه هو اللفظ الدال على غير الوضع الحقيقي لجامع بين المشبه والمشبه به وصفة من الأوصاف ؛ ألا ترى أنا إذا قلنا : زيد أسد ، كان ذلك لفظا دالا على غير الوضح الحقيقي ، بوصف جامع بين زيد والأسد ، وذلك الوصف هو الشجاعة ، ومن هاهنا وقع الغلط لمن أشرت إليه في الذي ذكره في حد الكناية . وأما علماء أصول الفقه فإنهم قالوا في حد الكناية : إنها اللفظ المحتمل ، يريدون بذلك أنها اللفظ الذي يحتمل الدلالة على المعنى وعلى خلافه . وهذا فاسد ؛ فإنه ليس كل لفظ يدل على المعنى وعلى خلافه بكناية ، دليل ذلك قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « إذا لم تستح فافعل ما شئت » فإن هذا اللفظ يدلّ على المعنى وعلى خلافه ، وبيان ذلك أنه يقول في أحد معنييه : إنك إذا لم يكن لك وازع يزعك عن الحياء فافعل ما شئت ، وأما معناه الآخر فإنه يقول : إذا لم تفعل فعلا يستحى منه فافعل ما شئت ، وهذا ليس من الكناية في شيء ؛ فبطل إذا هذا الحد ؛ ومثال الفقيه في قوله « إن الكناية هي اللفظ المحتمل » مثال من أراد أن يحدّ الإنسان فأتى بحد الحيوان ؛ فعبر بالأعم وكذلك يقال هاهنا ، فإن كل كناية لفظ محتمل ، وليس كل لفظ محتمل كناية . والذي عندي في ذلك أن الكناية إذا وردت تجاذبها جانبا حقيقة ومجاز ، وجاز حملها على الجانبين معا ، ألا ترى أن اللمس في قوله تعالى : أو لامستم النساء * يجوز حمله على الحقيقة والمجاز ؛ وكل منهما يصح به المعنى ، ولا يختلّ ، ولهذا ذهب الشافعي رحمه اللّه إلى أن اللمس هو مصافحة الجسد الجسد ، فأوجب