ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

170

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

فقوله « أقوى وأقفر » من المعيب ؛ لأنهما لفظان وردا بمعنى واحد لغير ضرورة ؛ إذ الضرورة لا تكون إلا في القافية كما أريتك . وأما ما ورد من صدور الأبيات فكقول البحتري في قصيدته العينية « 1 » : ألمّت وهل إلمامها بك نافع * وزارت خيالا والعيون هواجع فإن قوله « ألمت » وقوله « زارت خيالا » سواء ، ولا فرق إذا بين صدر البيت وعجزه . فإن قيل : إنه أراد بالإلمام زيارة اليقظة ، ثم قال « وزارت خيالا » . فالجواب عن ذلك أنه لم يرد إلا زيارة المنام في الحالتين ؛ لأنه قال « ألمت وهل إلمامها بك نافع » ولو كان الإلمام في اليقظة لما قال « وهل إلمامها بك نافع » ؛ فإنه لا نفع من زيارة المحبوب في اليقظة ، وهذا غير خاف لا يحتاج إلى السؤال عنه . فإن قيل : لم أجزت ذلك للناظم وحظرته على الناثر ؟ . قلت في الجواب : أما الناثر إذا سجع كلامه فالغالب أن يأتي به مزدوجا على فقرتين من الفقر ، ويمكنه إبدال تلك الفقرتين بغيرهما ، فيسلم منه ؛ وأما الشاعر فإنه يصوغ قصيدا ذا أبيات متعددة على قافية من القوافي ؛ فإذا تكرر لديه شيء من الكلام في آخر بيت من الأبيات عسر إبداله من أجل القافية ، وهذا غير خاف ، والسؤال عنه غير وارد . وهذا الذي ذكرته إذا ورد في غير القافية سمي إخلاء ، ويقال : إن البحتري كان يخلي كثيرا في شعره ، وهو لعمري كذلك ، إلا أن حسن سبكه ورونق ديباجته يغفر له ذلك .

--> ( 1 ) هذا مطلع قصيدة له يمدح فيها الفتح بن خاقان ، وبعده قوله : بنفسي من تنأى ويدنو ادّكارها * ويبذل عنها طيفها وتمانع