ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
157
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
أمثال هذا في القرآن الكريم كثير . ومما ورد من هذا النوع شعرا قول بعض شعراء الحماسة « 1 » : إلى معدن العزّ المؤثّل والنّدى * هناك هناك الفضل والخلق الجزل فقوله « هناك هناك » من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز ؛ لأنه في معرض مدح ، فهو يقرر في نفس السامع ما عند الممدوح من هذه الأوصاف المذكورة مشيرا إليها ، كأنه قال : أدلكم على معدن كذا وكذا ومقره ومفاده . وكذلك ورد قول المساور بن هند : جزى اللّه عنّي غالبا من عشيرة * إذا حدثان الدّهر نابت نوائبه فكم دافعوا من كربة قد تلاحمت * عليّ وموج قد علتني غواربه فصدر البيت الثاني وعجزه يدلان على معنى واحد ؛ لأن تلاحم الكرب عليه كتعالي الموج من فوقه ، وإنما سوغ ذلك لأنه مقام مدح وإطراء ، ألا ترى أنه يصف إحسان هؤلاء القوم عند دثان دهره في التكرير ، وفي قبالته لو كان القائل هاجيا ؛ فإن الهجاء في هذا كالمدح ، والتكرير إنما يحسن في كلا الطرفين ، لا في الوسط . واعلم أنه إذا وردت « إن » المكسورة المخففة بعد « ما » كانت بمعناها سواء ، ألا ترى إلى قوله تعالى : إن هم إلا كالأنعام فإن وما بمعنى واحد ، وإذا أوردت من بعد ما كانت من باب التكرير ، كقولنا : ما إن يكون كذا وكذا : أي ما يكون كذا وكذا ، وإذا وردت في الكلام فإنما ترد في مثل ما أشرنا إليه من التكرير ؛ فإن استعملت في غير ما يكون منها لفائدة ينتجها تكريرها كان استعمالها لغوا لا فائدة فيه .
--> ( 1 ) البيت من كلمة نسبهما أبو تمام لخلف بن خليفة مولى قيس بن ثعلبة ( انظر شرح التبريزي : 4 - 279 ) .