ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
13
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وسأبين ذلك فأقول : عطف المستقبل على الماضي ينقسم إلى ضربين : أحدهما بلاغي ، وهو إخبار عن ماض بمستقبل ، وهو الذي أنا بصدد ذكره في كتابي هذا الذي هو موضوع لتفصيل ضروب الفصاحة والبلاغة ، والآخر غير بلاغي ، وليس إخبار بمستقبل عن ماض ، وإنما هو مستقبل دلّ على معنى مستقبل غير ماض ، ويراد به أن ذلك الفعل مستمر الوجود لم يمض . فالضرب الأول كقوله تعالى : والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور فإنه إنما قال : فتثير مستقبلا وما قبله وما بعده ماض لذلك المعنى الذي أشرنا إليه ، وهو حكاية الحبل التي يقع فيها إثارة الريح السحاب ، واستحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة ، وهكذا يفعل بكل فعل فيه نوع تمييز وخصوصية ، كحال تستغرب أو تهمّ المخاطب أو غير ذلك . وعلى هذا الأسلوب ما ورد من حديث الزبير بن العوام رضي اللّه عنه في غزوة بدر : فإنه قال : لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص وهو على فرس وعليه لأمة « 1 » كاملة لا يرى منه إلا عيناه ، وهو يقول : أنا أبو ذات الكئوس ، وفي يدي عنزة « 2 » فأطعن بها في عينه ، فوقع ، وأطأ برجلي على خده حتى خرجت العنزة متعقّفة « 3 » ؛ فقوله : « فأطعن بها في عينه ، وأطأ برجلي » معدول به عن لفظ الماضي إلى المستقبل ؛ ليمثل للسامع الصورة التي فعل فيها ما فعل من الإقدام والجراءة على قتل ذلك الفارس المستلئم ، ألا ترى أنه قال أولا : لقيت عبيدة ، بلفظ الماضي ، ثم قال بعد ذلك : فأطعن بها في عينه ، ولو عطف كلامه على أوله لقال : فطعنت بها في عينه .
--> ( 1 ) اللأمة - بفتح اللام وسكون الهمزة ، وقد تخفف همزته فتقلب ألفا ، كما يقال : رأس ، وسال - وهي الدرع ، ويقال : اللأمة السلاح ، ولأمة الحرب : أداته . ( 2 ) العنزة - بفتح العين والنون - مثل نصف الرمح ، أو أكبر شيئا ، وفيها سنان مثل سنان الرمح ، والعكازة : قريب منها . ( 3 ) متعقفة : ملوية .