ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

109

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

الآخرة ، وثانيه مردف بالمهم الذي يؤثر المدعو له من صلاح حال عقبه من بعده في الدنيا ، وثالثه مختتم بالجمع بين الداعي والمدعو له ، وهذا من الإيجاز البليغ الذي هو طباق ما قصد له ، وكلام النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم هكذا كما قال : « أوتيت جوامع الكلم » . وكذلك ورد قوله صلّى اللّه عليه وسلّم يوم بدر ؛ فإنه قال : « هذا يوم له ما بعده » وهو شبيه بقوله تعالى : فله ما سلف . ولما جرح عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه الجراحة التي مات بها اجتمع إليه الناس ، فجاءه شابّ من الأنصار ، وقال : أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى اللّه ، لك من صحبة رسول اللّه وقدم في الإعلام ما علمت ، ووليت فعدلت ، ثم شهادة . وهذا كلام سديد قد حوى المعنى المقصود ، وأتى به في أوجز لفظ وأحسنه ؛ ومع ما فيه من الإيجاز فإنه مستغرب ، وسبب استغرابه أنه جعل المساءة بشرى ، وأخرجها مخرج المسرة ، وتلطف في ذلك فأبلغ ، ولو أراد الكاتب البليغ والخطيب المصقع ، أن يأتي بذلك على هذا الوجه لأعوزه . ومن هذا النمط ما كتبه طاهر بن الحسين إلى المأمون عند لقائه عيسى بن ماهان وهزمه إياه وقتله ؛ فكتب إليه : كتابي إلى أمير المؤمنين ورأس عيسى بن ماهان بين يديّ ، وخاتمه في يدي ، وعسكره مصرف تحت أمري ، والسلام . وهذا من الكتب المختصرة التي حوت الغرض المطوّل ، وما يكتب في هذا المقام مثله . ولما أرسل المهلب بن أبي صفرة أبا الحسن المدائني إلى الحجاج بن يوسف يخبره أخبار الأزارقة كلمه كلاما موجزا كالذي نحن بصدد ذكره هاهنا ، وذاك أن الحجاج سأله فقال : كيف تركت المهلب ؟ فقال : أدرك ما أمّل ، وأمن ممّا خاف ؛ فقال : كيف هو لجنده ؟ قال : والد رؤوف ، قال : كيف جنده له ؟ قال : أولاد بررة ؛ قال : كيف رضاهم عنه ؟ قال : وسعهم بفضله ، وأغناهم بعدله ؛ قال : كيف تصنعون إذا لقيتم العدوّ ؟ قال : نلقاهم بجدنا ، ويلقوننا بجدهم ، قال : كذلك الجد إذا لقي الجد ؛ قال : فأخبرني عن بني المهلب ؛ قال : هم أحلاس القتال بالليل ، حماة