ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
101
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
ومما يجري على هذا النهج قوله تعالى : لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد فجواب لو في هذا الموضع محذوف ، كما حذف في قوله تعالى : ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أي : لو أن لي بكم قوة لدفعتكم ، أو منعتكم ، أو ما أشبهه ، وكذلك قوله : ولو أن قرآنا سيرت به الجبال لكان هذا القرآن . وهذا الضرب من المحذوفات أظهر الضروب المذكورة وأوضحها ؛ لعلم المخاطب به ؛ لأن قوله تعالى حكاية عن لوط عليه السلام : لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد يتسارع الفهم [ فيه ] إلى أن الكلام يحتاج إلى جواب . ومما جاء منه شعرا قول أبي تمام في قصيدته البائية التي يمدح بها المعتصم عند فتحه مدينة عمّورية « 1 » . لو يعلم الكفر كم من أعصر كمنت * له العواقب بين السّمر والقضب « 2 » فإن هذا محذوف الجواب ، تقديره : لو يعلم الكفر ذلك لأخذ أهبة الحذار ، أو غير ذلك . واعلم أن حذف هذا الجواب لا يسوغ في أي موضع كان من الكلام ، وإنما يحذف ما دلّ عليه مكان المحذوف ، ألا ترى أنه قد ورد في القرآن الكريم غير محذوف ، كقوله تعالى : ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون . لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون وهذا ليس كالذي تقدم من الآيات ؛ لأن تلك علم مكان المحذوف منها ، وهذه الآية لو حذف الجواب فيها لم يعلم مكانه ؛ لأنه يحتمل وجوها ، منها أن يقال : لما آمنوا ، أو لطلبوا ما وراء ذلك ، وقد تقدم القول في أول باب الإيجاز أنه لا بد من دلالة الكلام على المحذوف . الضرب التاسع : وهو حذف جواب « لولا »
--> ( 1 ) أول هذه القصيدة قوله : السّيف أصدق إنباء من الكتب * في حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب ( 2 ) في الديوان « كمنت له المنية » .