صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي
76
أنس المسجون وراحة المحزون
من حضره منهم ، ثمّ أمر الجميع أن يتكلّموا في الزّهد في هذا العالم الذي هو عالم الدّثور والفناء والغرور ، فذكر كلّ واحد منهم ما سنح له من الأخبار عن الفلاسفة والمتقدّمين والحكماء اليونانيين كسقراط وذوجانس « 1 » ، فقال الواثق : قد أكثرتم فيما ذكرتم ، وأحسنتم الحكاية فيما وصفتم ، فليخبرني مخبر منكم ما أحسن ما سمع من كلام الذين حضروا وفاة الإسكندر لما جعل في تابوت الذّهب ؟ فقال بعض من حضره : كلّ يا أمير المؤمنين حسن فيما ذكره ، وأحسن ما نطق به من حضر ذلك المشهد من الحكماء ذوجانس ، وقد قيل إنّه لبعض « 2 » حكماء الهند فقال : إنّ الإسكندر أمس أنطق منه اليوم ، وإنّه اليوم أوعظ منه أمس . وقد أخذ هذا أبو العتاهية « 3 » فقال : كفى حزنا بدفنك ثمّ إنّي * نفضت تراب قبرك من يديّا وكانت في حياتك لي عظات * فأنت اليوم أوعظ منك حيّا فاشتدّ بكاء الواثق ، وعلا نحيبه ، وبكى من حضره ، ثمّ قام من فوره وأنشد :
--> ( 1 ) وضعه القفطي في تاريخ الحكماء صفحة ( 182 ) في باب : حرف الذال المعجمة في أسماء الحكماء ذيوجانس . وعرّفه : ذيوجانس الكلابي مشهور في أرض يونان ، وقد راض أصحابه برياضة فارق فيها اصطلاح أهل المدن في اطراح التكلّف الذي اقتضاه الاصطلاح ، فكان أحدهم يتغوّط غير مستتر عن الناس ، وينكح في الطريق . . . ويقول فيما يأتيه من ذلك : لا يخلو إما أن يكون ما تفعله قبيحا على الإطلاق فلا يحسن في موضع دون موضع ، وعلى صورة دون صورة ، وإن كان مما يحسن في موضع دون موضع وعلى صورة غير صورة فهذا أمر اصطلاحي لا ضروري فلا أقف معه ، وزادوا على ذلك أنهم كانوا يحبون من قرب ( زنى المحارم ) ويكرهون من بعد ، فقال أهل زمانهم . هذه الأفعال تشبه أفعال الكلاب ، فسموهم بذلك . وقد جاء في الأصل ديوجانس بالدال المهملة . ( 2 ) في الأصل بعض والمثبت من المروج . ( 3 ) الديوان صفحة ( 679 ) .