صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي

39

أنس المسجون وراحة المحزون

عليه ، فأذن لي ، فدخلت فإذا هو في شملة « 1 » يخلط بزرا لعنز له حلوب ، فخبّرته بمجتمع الناس ، فأمهل حتى أكلت العنز ، ثم غسل الصّحفة ، وصاح : يا جارية ، غدّينا . فأتته بزيت وتمر ، قال : فدعاني ، فقذرته أن آكل معه « 2 » ، حتى إذا قضى من أكله ، وثب إلى طين ملقى في الدار ، فغسل به يده ، ثم صاح : يا جارية ، اسقيني ماء . فأتته بماء ، فشربه ، ومسح فضله على وجهه ، ثمّ قال : الحمد للّه ماء الفرات ، بتمر البصرة ، وزيت الشّام ، متى نؤدّي شكر هذه النعمة ! ثمّ قال : عليّ بردائي . فأتته برداء عدنيّ فارتدى به على تلك الشّملة . قال الأصمعي : فتجافيت عنه استقباحا لزيّه ، فلمّا دخل المسجد صلّى ركعتين ، ثمّ مشى إلى القوم ، فلم تبق حبوة « 3 » إلّا حلّت إعظاما له ، ثمّ جلس فتحمّل جميع ما كان بين الأحياء « 4 » في ماله ، وانصرف . 54 - وقال بعض الحكماء : إنّ عندنا من نعم اللّه ما لا نحصيه مع كثرة ما نعصيه ، فما ندري ما نشكر له : جميل ما نشر ، أم قبيح ما ستر ، أم عظيم ما أبلى ، أم كثير ما أعفى ؟

--> - وهو صغير . انظر أسد الغابة 3 / 40 . وكتب في الهامش : في نسخة القعقاع . ( 1 ) الشّملة : كساء دون القطيفة ، أو مئزر من صوف وشعر يؤتزر به . اللسان ( شمل ) . ( 2 ) في الهامش : وفي المستجاد : قال : فدعاني لآكل معه ، فوافقته حتى قضى إربه من الأكل - وفي المطبوع من المستجاد 209 : فدعاني لآكل معه فأكلت . وفي نسخة ( ز ) من المستجاد : فاستقذرته ؛ فامتنعت . ( 3 ) احتبى بالثوب اشتمل ، أو جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها . ( 4 ) في الهامش كتب ما نصّه : بين الحيين من الديات ، ونهض وهو سيد القوم لفعله .