صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي

204

أنس المسجون وراحة المحزون

الدّنانير ، فلم يصدق لكثرتها ، وبات بليلة طويلة . ورجع عكرمة إلى منزله ، وقد سألت عنه زوجته وهي ابنة عمّه ، فأخبرت أنّه ركب وليس معه أحد بغير ضوء ولا سراج . فقالت : أمير الجزيرة يركب في مثل هذا الوقت على مثل هذه الحالة ؟ ! واللّه ما ركب إلّا لجارية اشتراها ، أو امرأة تزوّجها ، وبكت وشقّت ثوبها ، ولطمت وجهها . فدخل عليها عكرمة ، وقال : ما وراءك ؟ فقالت : أمير الجزيرة يركب في مثل هذا الوقت على مثل هذه الحالة ؟ ! واللّه ، ما ركبت إلّا لجارية اشتريتها أو امرأة تزوجتها . فقال : واللّه ، ما كان ركوبي لشيء ظننتيه . فقالت : واللّه ، لا أزال على هذا أو تخبرني بما ركبت له . فأخبرها ، فقالت : قد وقع لي أنّ الأمر كذلك كان . وسكتت . ثم أصبح خزيمة وقد رأى ما أتاه به من الرّزق ، فعمد إلى السّوق واشترى الكسوة والخدم والدّوابّ والفرش ، وتجهّز للمسير إلى سليمان بن عبد الملك وهو يومئذ خليفة ، وكانت له به حرمة متقدّمة فوصل إليه وهو بفلسطين فلما وقف ببابه استأذن عليه ، فأذن له . فلمّا رآه قال : خزيمة بن بشر ؟ ! قال : نعم ، خزيمة يا أمير المؤمنين . قال : ما الذي أبطأ بك عنّا ؟ قال : سوء الحال . قال : فكيف قدرت الآن على الوصول ؟ فأخبره بالقصّة ، فقال له : فما عرفت الرّجل ؟ فقال : لا واللّه ، يا أمير المؤمنين . فقال : واللّه ، لو عرفنا من هو لجبرنا منه أضعاف ما جبر منك . ثم دعا بقناة ، وعقد له على الجزيرة ، وأمره بالخروج إليها . فقيل لعكرمة : قد ولي خزيمة بن بشر البلد . فقال : بارك اللّه له فيها . فلما قرب من البلد خرج النّاس للقائه ، وخرج عكرمة فيمن خرج . فلما دخل تقدّم إلى حاجبه أن يمنع عكرمة من الانصراف إلى منزله . ففعل به ذلك باقي يومه ، ثم دعا به من الغد وأمر بمحاسبته ، فوجد عليه مالا كثيرا فقال : أدّ هذا المال . فقال : ما هو عندي ، أصلح اللّه الأمير ، ولا أقدر عليه . فقال :