صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي

160

أنس المسجون وراحة المحزون

نهب « 1 » . وقد كانوا غلمانه « 2 » أخذوا لما نزلت الدّار الجمال وجميع الغلمان الذي معي ، فعدلوا بهم إلى دار له فما طاقوا ممانعتهم ، وبقيت وحدي ليس بين يدي إلّا ستة غلمان وقوف على رأسي ، فقلت في نفسي : هذا جبّار عنيد ، وإن امتنع عليّ من الشّخوص لم أطق إشخاصه بنفسي ولا بمن معي ، ولا حفظه ، إلّا أن يلحقني أمير البلد ، وجزعت ، ورابني منه تهاونه بي ، واستخفافه ، يدعوني باسمي ، ولا يفكّر في امتناعي من الأكل ، ولا يسألني فيما جئت له ، ويأكل مطمئنا ، وأنا أفكّر في ذلك حتّى فرغ من طعامه ، وغسل يده ، واستدعى بالبخور ، فتبخّر ، وقام إلى الصّلاة ، فصلّى الظّهر وأكثر من الدّعاء والابتهال ، ورأيت صلاة حسنة ، فلما انفتل من المحراب أقبل عليّ ، وقال : ما أقدمك يا منارة ؟ فقلت : أمر لك من أمير المؤمنين . ودفعت إليه الكتاب ففضّه ، وقرأه ، فلما استتمّ قراءته ، دعا أولاده وحاشيته فاجتمع منهم خلق عظيم ، فلم أشكّ أنّه يريد أن يوقع بي ، فلما تكاملوا ابتدأ فحلف أيمانا عظيمة فيها الطّلاق والعتاق والحجّ والصّدقة والوقف والحبس إن اجتمع منهم اثنان في موضع ، وأن ينصرفوا فيدخلوا منازلهم ، فلا يظهر منهم أحد إلى أن يظهر له أمر يعمل عليه . وقال : هذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني بالمسير إلى بابه ، ولست أقيم بعد نظري فيه لحظة واحدة ، فاستوصوا بمن ورائي من الحرم خيرا ، وما بي حاجة أن يصحبني غلام ، هات أقيادك يا منارة . فدعوت بها وكانت في سفط ، وأحضرت حدادا ، ومدّ ساقيه فقيّدته ،

--> ( 1 ) في نسخة من الفرج بعد الشدة : إلا وهب ، وفي نسخ : نهب . ( 2 ) على لغة أكلوني البراغيث . انظر مجلة مجمع اللغة العربية : المجلد 68 الجزء الثالث صفحة 399 .