صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي

155

أنس المسجون وراحة المحزون

اللّيلة ، ولا نستحسن أن نأخذ شيئا منكما مع هذا . فقلقت ، ودخلت إلى أبي في غير تلك الصّورة ، فقال : مالك ؟ فأخبرته الخبر . فقال : أردد الدّارهم على أبي بكر . فدفعتها إلى من جاء بها فردّها عليه . وكان أبي يصوم تلك الأيّام كلّها ، فلما غابت الشّمس تطهّر ولم يفطر ، وصلّى المغرب ، وصلّيت معه ، ثم أقبل على الصّلاة والدّعاء إلى أن صلّى عشاء الآخرة ، ثمّ دعاني ، فقال لي : اجلس يا بني جاثيا على ركبتيك . ففعلت ، وجلس هو كذلك ، ثم رفع رأسه إلى السّماء فقال : يا ربّ ، محمد بن القاسم ظلمني ، وحبسني على ما ترى ، وأنا بين يديك ، وقد استعديت إليك ، وأنت أحكم الحاكمين ، فاحكم بيننا ، فاحكم بيننا . لا يزيد عليها ، ثم صاح بها إلى أن ارتفع صوته ولم يزل يكرّرها بصياح وبكاء ، واستغاثة إلى أن ظننت أنّه قد مضى ربع الليل ، فو اللّه ما قطعها حتّى سمعت صوت الباب يدقّ فذهب عليّ أمري ، ولم أشكّ في أنّه القتل ، وفتحت الأبواب « 1 » ، ودخل قوم بشموع ، فتأمّلت فإذا فيهم سابور « 2 » غلام القاهر باللّه ، فقال : أين أبو الطاهر ؟ فقام أبي ، وقال : ها أنا ذا . فقال : أين ابنك ؟ فقال : هو ذا . فقال : انصرفا إلى منزلكما . فخرجنا وإذا هو قد قبض على الوزير محمد بن قاسم ، وحدره إلى دار القاهر فانصرفنا . وعاش محمد بن القاسم في الاعتقال ثلاثة أيام ، ثم مات . « 371 » - وقال الأصمعيّ : أتي عبد الملك بن مروان برجل قد قامت عليه

--> ( 1 ) جاء في الهامش : نم قرير العين ممّن * بات في ضرّك ساهر وكل الباغي لباري * وكفى باللّه ناصر ( 2 ) سابور الخصي خادم القاهر باللّه ، كان أثيرا عنده ، وكان يكلفه بالقبض على من يريد اعتقاله أو قتله . ( 371 ) - عيون الأخبار 1 / 99 ، الأجوبة المسكتة 111 ، العقد الفريد 2 / 167 ، الفرج بعد الشدة -