صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي

146

أنس المسجون وراحة المحزون

عاقبت وجدت مثلك قد عاقب مثله كثيرا ، وإن عفوت لم تجد مثلك عفا عن مثله . فعفا عنه ، وأمر بإطلاقه . « 363 » - وقيل : لما ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي أحبّ أن يوبّخه على رؤوس الأشهاد ، فأمر بإحضاره من محبسه فجيء به يحجل في قيوده ، حتّى وقف على طرف الإيوان ، وقال : السّلام عليك يا أمير المؤمنين . فقال المأمون : لا سلّم اللّه عليك ، ولا رعاك ولا كلأك يا إبراهيم . فقال له إبراهيم : على رسلك يا أمير المؤمنين ، فلقد أصبحت وليّ ثأري ، والقدرة تذهب الحفيظة ، ومن مدّ له الاغترار في الأمل هجمت به الأناة على التّلف . وقد أصبح ذنبي فوق كلّ ذي ذنب ، كما أنّ عفوك فوق كلّ ذي عفو ، فإن تعاقب فبحقّك ، وإن تعف « 1 » فبفضلك . قال : فأطرق المأمون مليّا ، ثم رفع رأسه وقال : إنّ هذين أشارا عليّ بقتلك وإذا المعتصم والعباس بن المأمون « 2 » . فقال : يا أمير المؤمنين ، أمّا حقيقة الرّأي في معظم تدبير الخلافة والسياسة فقد أشارا عليك به ، وما غشّاك إذ كان منّي ما كان ، ولكنّ اللّه عزّ وجلّ عوّدك من العفو عادة جريت عليها ، دافعا مما تخاف بما ترجو ، فكفاك اللّه . فتبسّم المأمون ، وأقبل على ثمامة وقال : إنّ من الكلام ما يفوق الدّرّ ، ويغلب السّحر ، وإنّ كلام عمّي منه ، أطلقوا عن عمّي حديده وردّوه

--> - وكان كاتبا شديدا فصيحا لبيبا بصيرا بالأمور ، استوزره المأمون ، توفي سنة ( 210 ) الفخري : 200 . وقول أحمد بن محمد في الأغاني 10 / 118 ، ووفيات الأعيان 1 / 41 . ( 363 ) - الأغاني 10 / 116 ، الفرج بعد الشدة 3 / 342 ، والخبر بنحوه في العقد الفريد 2 / 148 . ( 1 ) في الأصل : تعفو . ( 2 ) العباس بن المأمون بن الرشيد ، أمير عباسي ، ولاه أبوه الجزيرة والثغور ، لما ولي المعتصم امتنع كثير من القواد من مبايعته ونادوا باسم العباس بن المأمون ، فدعاه المعتصم إليه وأخذ البيعة فسكن الناس ، وأقام إلى أن خرج المعتصم إلى الثغور فاتفق مع بعض القواد على قتل المعتصم ، فعلم المعتصم فقبض عليه وعلى أصحابه وعذبه وسجنه إلى أن مات بمنبج سنة ( 223 ) الأعلام .