صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي
139
أنس المسجون وراحة المحزون
قال أبي « 1 » : لمّا حبسني المهديّ في بئر ، وبنى عليّ قبّة ، فمكثت فيها خمس عشرة « 2 » سنة حتّى مضى صدر من خلافة الرّشيد ، وكان يدلّى لي في كلّ يوم رغيف وكوز ماء ، وأوذن بأوقات الصّلاة ، فلمّا كان في رأس ثلاث عشرة « 3 » حجّة أتاني آت في منامي فقال : حنا على يوسف ربّ فأخرجه * من قعر بئر وجبّ حوله غمم قال : فحمدت اللّه تعالى وقلت : أتى الفرج . قال : فمكثت حولا لا أرى شيئا ، فلمّا كان في رأس الثاني أتاني ذلك الآتي فقال : عسى فرج يأتي به اللّه إنّه * له كلّ يوم في خليقته أمر « 4 » ثم أقمت حولا لا أرى شيئا ، ثم أتاني ذلك الآتي في رأس الحول الثالث فقال : عسى الكرب الذي أمسيت فيه * يكون وراءه الفرج القريب فيأمن خائف ويفكّ عان * ويأتي أهله الرّجل الغريب « 5 » فلمّا أصبحت نوديت ، فظننت أنّي أوذن للصّلاة ، ودلّي لي حبل ، فقيل : شدّ به وسطك . ففعلت ما قالوا ، وأخرجوني من البئر ، فلمّا تأمّلت
--> ( 1 ) يعقوب بن داود بن عمر السلمي ، من أكابر الوزراء تقرّب من المهدي ، وعلت منزلته عنده حتى صدر مرسوم إلى الدواوين يقول : إن أمير المؤمنين المهدي قد آخى يعقوب بن داود . واستوزره ، فغلب على الأمور كلها . كان ذا صلة بالعلويين مما أدى إلى سخط المهدي عليه فعزله وأمر بحبسه في المطبق وصادر أمواله ، وقد ردّ عليه الرشيد ماله ، وخيّره في الإقامة حيث يريد ، فاختار مكة ، وأقام بها إلى أن مات ، وفيه قال بشار : بني أمية هبوا طال نومكم * إن الخليفة يعقوب بن داود ( 2 ) في الأصل خمسة عشر . ( 3 ) في الأصل ثلاثة عشر . ( 4 ) تقدم البيت في الخبر ( 346 ) صفحة 135 . ( 5 ) في الأصل : فيأمن خائفا . ورواية الفرج بعد الشدة : ويأتي أهله النائي . والبيتان لهدبة بن خشرم ديوانه صفحة 54 .