صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي

11

أنس المسجون وراحة المحزون

والجرم ، ومن ثم طرق استجواب المتّهمين ، وانتزاع الأدلة ، ومن ثم قصص السجن وحوار أصحابها ، والأحاديث التي تقال ، ثم انفراج الضيق وسهولة الحزن بفضل من اللّه وكرمه . أما كتب التاريخ والرجال فأكاد أجزم بأنه لا يوجد كتاب في التاريخ إلا لو أفردت أخبار السجن فيه لكانت كراريس مطوّلة . وحتى كتب اللغة لم تغفل هذا الجانب ، فالمعاجم قد أدرجت مفرادات السجون في موادّها ، أما كتب المعاني فقد وأكبت تطور المجتمع والدولة ، فنجد في كتاب « المخصص » لابن سيده 12 / 93 عنوانات هي : الحبس في السجن ، ما يحبس به ، الحبس في غير السجن والمنع ، الأسر والشدّة ، باب العذاب ، التنقذ والإطلاق ، الضيق . وما زال السجن مؤديا وظيفته ، ساميا بسمو الدولة ، متّضعا بانحدارها إلى أن استقر به الحال منذ ضعف الدولة الإسلامية حتى يومنا فغدا الحاضر الغائب ، المعرفة النكرة ، قد غرس في ضمير الأمّة وفكر الفرد ، قدرا محتّما كل الطرقات تؤدي إليه ، لا فرق بين مفكّر وعيّار ، ولا بين فقيه وقاطع طريق ، فأمام السجن يقف الناس سواسية ، لا فرق بين كبير وصغير ، ورفيع ووضيع ، وكأنّي بالحاكم لا يعرف إلا : وإن منكم إلا وارده . فقلّما نجد رجلا إلّا دخله ، ومن لم يدخله أصابه من غباره . وكم دلّلت أمتنا في تاريخنا المجيد على كرهها السجن عندما تنحرف الغاية منه ، عندما يغدو رمزا للقهر والعدوان ، فقد كسّرت الحبوس ، وأخرجت المساجين كما ذكر الخطيب البغدادي في « تاريخه » 1 / 76 حادثة كسر الحبوس بمدينة المنصور سنة 307 ه . وكما يذكر الطبري في « تاريخه » 9 / 262 أنّ العامّة ببغداد فتحوا سجن نصر بن مالك ، وأخرجوا من فيه ،