صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي
106
أنس المسجون وراحة المحزون
وقال آخر : ما سافر الإسكندر سفرا بلا أعوان ولا آلة غير هذا . وقال آخر : هذا الإسكندر كان يحكم على الرعيّة ، صارت الرعيّة تحكم عليه . وقال آخر : ربّ هائب لك كان يعبأ بك من ورائك ، وهو اليوم لا يخافك بحضرتك . وقال آخر : ربّ حريص على سكوتك ، وهو اليوم حريص على كلامك إذ لا تتكلّم . وقال آخر : كم من جسم أمات هذا الجسم لئلا يموت وقد مات . وقال آخر : لئن كان يحبّ الذّهب ، لقد أصبح الذهب اليوم له معانقا . وقال آخر : نعم المضطجع هذا لمن كان يسعى لنفسه . وقال آخر : قد أباد هذا الميّت خلقا كثيرا لئلّا يموت ، ولو كان حريصا على حياتهم كحرصه على موتهم لم يمنعهم من أن يموتوا كما مات . وقال آخر : كان هذا واعظا بليغا ، وما وعظنا قطّ موعظة أبلغ من موعظته بنفسه وسكونه . وقال آخر : كان حريصا على الارتفاع ، ولم يعلم أنّ ذلك أشدّ لصرعته في المهواة . وقال آخر : كان الإسكندر يخافه من ينظر إليه ، واليوم لا يهابه من يجترئ عليه . وقال آخر : كان الإسكندر بالأمس يشيّقنا إليه ، وهو اليوم مشتاق إلى المعزّي إليه . وقال آخر : كان بالأمس يخافه عدوّه ، فهو اليوم لا يرجوه صديقه .