حميد بن مخلد بن قتيبة الأزدي الخراساني ( ابن زنجوية )

181

كتاب الأموال

ذلك نكثا لعهدهم والفقهاء يومئذ متوافرون ، فكتب إلى عدّة منهم يشاورهم في محاربتهم فكان ممّن كتب إليه اللّيث بن سعد ، ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة وموسى بن أعين ، وإسماعيل بن عيّاش ويحيى بن حمزة ، وأبو إسحاق الفزاريّ ، ومخلد بن حسين فكلّهم أجابه على كتابه فوجدت رسائلهم إليه ، قد استخرجت من ديوانه فاختصرت منها المعنى الذي أرادوه وقصدوا له ، وقد اختلفوا عليه في الرّأي إلا أنّ من أمره بالكفّ عنهم والوفاء لهم ، وإن غدر بعضهم ، أكثر ممّن أشار بالمحاربة ، فكان ممّا كتب إليه اللّيث بن سعد : " إنّ أهل قبرس لم نزل نتّهمهم بالغشّ لأهل الإسلام والمناصحة للرّوم وقد قال اللّه تبارك وتعالى وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ولم يقل : لا تنبذ إليهم حتّى تستيقن خيانتهم وإنّي أرى أن تنبذ إليهم ثمّ ينظروا سنة يأتمرون فمن أحبّ اللّحاق منهم ببلاد المسلمين ، على أن يكون ذمّة ، يؤدّي الخراج فعل ، ومن أراد أن يتنحّى إلى الرّوم فعل ومن أراد أن يقيم بقبرس على الحرب أقام فقاتلهم المسلمون كما يقاتلون عدوّهم فإنّ في إنظار سنة قطعا لحجّتهم ووفاء بعهدهم " ، وكان ممّا كتب إليه سفيان بن عيينة : " إنّا لا نعلم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عاهد قوما فنقضوا العهد ، إلا استحلّ قتلهم ، غير أهل مكّة فإنّه منّ عليهم وإنّما كان نقضهم الذي استحلّ به غزوهم أن قاتلت حلفاؤهم من بني بكر حلفاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من خزاعة ، فنصر أهل مكّة بني بكر على حلفائه ، فاستحلّ بذلك غزوهم ونزلت في الذين نقضوا أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ إلى قوله وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وأنزلت فيهم أيضا إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إلى قوله لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ، وكان في ما أخذ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم في صلحه على أهل نجران أنّ من أكل منهم ربا من ذي قبل فذمّتي منه بريئة ، فالّذي انتهى إلينا من العلم ، أنّ من نقض شيئا ممّا عوهد عليه ، ثمّ أجمع القوم على نقضه فلا ذمّة لهم ، وكان ممّا كتب إليه مالك بن أنس : " أنّ أمان أهل قبرس قد كان قديما متظاهرا من الولاة فهم يرون أنّ أمانهم وإقرارهم على حالهم ذلّ وصغار لهم ، وقوّة للمسلمين عليهم ، لما يأخذون من جزيتهم ويصيبون بهم من الفرصة على عدوّهم فلم أجد أحدا من الولاة نقض صلحهم ولا أخرجهم من مكانهم وأنا أرى ألا تعجّل