الفيض الكاشاني
26
مجموعة رسائل
فيتألّمون بذلك ، ويتمنّون الرجوع إلى الدّنيا الّتى هي وطنهم المألوف ؛ لأنّهم من أهلها وليسوا من أهل النشأة الباقية لعدم شوقهم إليها ولا تعلّقهم بها ، بل إنّما تعلّقهم وركونهم وشوقهم بهذه النشأة الأرذل الأدنى ؛ لأنّهم رضوا بالحياة الدنيا واطمأنّوا بها فإذا فارقوها عُذّبوا بفِراقها في نار جهنّم أعمالهم الّتى أحاطت بهم . ( « 1 » ) وهذا بخلاف السعداء ، فإنّهم وإن كانوا في النّشأة الفانية بأبدانهم ولكنّهم ليسوا من أهلها ؛ لعدم تعلّقهم بها ولاركونهم إليها ، بل إنّما شوقهم وحنينهم ( « 2 » ) إلى النشأة الأخرى ولهذا نعّموا بالوصول إليها ومفارقة هذا الأدنى ، ومن هنا ورد في الحديث : « الدّنيا سِجنُ المؤمِنِ وجَنّةُ الكَافرِ » ( « 3 » ) . وتصديق هذا ما قاله أمير المؤمنين ( ع ) في وصف الزهّاد : « كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدّنْيا وَلَيسُوا مِنْ أَهْلِهَا ، فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيسَ مِنْهَا ( « 4 » ) ، عَمِلُوا فِيهَا بِمَا يبْصِرُونَ وَبَادَرُوا فِيهَا مَا يحْذَرُونَ ، تَقَلّبُ ( « 5 » ) أَبْدَانُهُمْ بَينَ ظَهْرَانَى أَهْلِ الْآخِرَةِ ، يرَوْنَ أَهْلَ الدّنْيا يعَظّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ وَهُمْ أَشَدّ إِعْظَاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحيائِهِم » ( « 6 » ) . وقال ( ع ) في حديث القبر في ولى الله : « وَإِنّهُ لَيعْرِفُ غَاسِلَهُ ، وَينَاشِدُ حَامِلَهُ أَنْ
--> ( 1 ) - كذا وردت في النسخ ، راجع : بحار الأنوار : 64 / 110 ، أبواب الإيمان ، الباب الثّالث . ( 2 ) - في د : حبّهم . ( 3 ) - كتاب التّمحيص : 48 ؛ دعائم الإسلام : 47 ؛ تحف العقول : 53 . ( 4 ) - في جميع النّسخ : فيها . ( 5 ) - أي : تتقلّبُ . ( 6 ) - نهج البلاغة : 353 ، الخطبة 230 ، في صفة الزّهّاد ؛ بحار الأنوار : 67 / 320 ، الباب 57 ، ح 36 ؛ وردت في المصدر الأوّل : « . . . ويرون أهل . . . » .