الفيض الكاشاني
76
مجموعة رسائل
حالة واحدة يشاهدوه ، كما خطر ببالهم في الأماكن المختلفة ، وأمّا الإبصار الحاصل عن شخص النبي المادّى فلا يكون إلّا في مكان واحد ، وأمر الآخرة أوسع وأوفى بالشهوات وأوفق لها . وقد تبين في محله : أنّ كلّ ما يصدر من الفاعل لا بواسطة المادّة الدنياوية فحصوله في نفسه عين حصوله لفاعله ، وليس من شرط الحصول الحلول والاتّصاف ، فإنّ صور الموجودات للبارئ ( عز وجل ) قائمة به من غير حلول ولا اتّصاف ، وأنّ حصول الشّىء للفاعل أوكد من حصوله للقابل . قال بعض العلماء : كلّ ما يفعله الإنسان بلا واسطة آلة أو جارحة فأمره نافذ فيه ، وإرادته عين تكوينه كالصور التّى تنشئه في نفسه ، وكلّ ما يفعله بالآلات والوسائط فقد يقع وقد لا يقع ؛ وكذلك أفعال الله سبحانه ، فإنّ ما أمَره سبحانه عباده على ألسنة رسله وفى كتابه قد يطاع فيه وقد يعصى . ( « 1 » ) وقد ظهر من هذا : أنّ المشتهيات في الآخرة تابعة للشهوات بعكس الدنيا ، كما قالالله ( عز وجل ) : « وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ » ، ( « 2 » ) فما يريد يستحضر ، لا أن يكون موجوداً ثمّ يستحضر ، بل يستحضر فيصير موجوداً بالاستحضار ، فالحضور هناك ليس بقطع المسافة ؛ فلكلّ من أهل السعادة في الآخرة عالم فيه ما يريد ، ومن يرغب في صحبته ينشأ في لحظة عينٌ أو فلتة ( « 3 » ) خاطرٌ ، فالعوالم هناك بلا نهاية ، كلّ منها
--> ( 1 ) - راجع : الفتوحات المكّيّة : 3 / 295 ، باب 361 . ( 2 ) - فصّلت : 31 . ( 3 ) - فجأة .