الفيض الكاشاني
الكلمات المخزونة 43
مجموعة رسائل
زدني بياناً . فقال « 1 » عليه السلام : أطف السراج ، فقد طلع الصبح ) « 2 » . « 3 »
--> ( 1 ) - مر : قال . ( 2 ) - نور البراهين ، ج 1 ، ص 221 ؛ شرح الأسماء الحسنى ، ج 1 ، ص 131 . ( 3 ) - قال الشيخ جواد بن عباس الكربلائي في الأنوار الساطعة في شرح الزيارة الجامعة ما ملخّصه : قوله رضي الله عنه : ما الحقيقة ؟ إنّ الحقيقة المسؤول عنها لإيراد منها ذاته المقدسة ؛ لأنّه لا معنى للسؤال عن حقيقة ذاته ، التي لا يمكن التعرف عليها مطلقاً لكلّ أحد ، خصوصاً من مثل كميل الذي هو من أصحاب السرّ لأمير المؤمنين عليه السلام العارف بهذا الأمر ، بل المراد منها التوحيد الحقيقي وظهوره الحقيقي في عالم الكون وفي قلوب الأولياء بنحو الأتمّ الأكمل . لمّا سأل عن الحقيقة ردعه عليه السلام بأنّك لبعيد عن درك معناها ، لغموضها ولاختصاصها بالأولياء المقرّبين الكمّلين من الأنبياء والأئمّة عليهم السلام ، فأثّر هذا الردع في قلب كميل ، فازداد عطشه في فهمها مع علمه ، بأنّه عليه السلام قادر بأن يمنحه فهمها ويرقيه إلى درجة درك هذا المعنى . وذلك بما أعطاه اللَّه تعالى من الولاية المطلقة ، التي من آثارها التصرّف في كميل ، بحيث يرتقى إلى مقام إمكان درك هذا المعنى ، بل وإلى وجدانه ولذا قال مستلطفاً ومسترحماً : ( أَ وَلست صاحب سرّك ؟ ) ، أي أنّى طال ما رويت من عذب ماء معارفك ووقفت على بعض أسرارك ، وعلمت من علومك التي أسعفتني بها ، فكيف تمنعني حينئذ عن كشف هذا المعنى وبيان هذا السرّ ؟ فقال عليه السلام في جوابه : ( بلى ، ولكن يرشّح عليك ما يطفح منّي ) . قوله عليه السلام : ( الحقيقة كشف سبحات الجلال من غير إشارة ) ، سبحات الجلال بضمّ السين جمع سجة بمعنى النور . وأيضاً يراد منه الجلال والعظمة ، ومعلوم أنّ ذاته المقدسة محتجب بهذه الأشعّة الجلاليّة والجماليّة . وقال عليه السلام : ( يا من احتجب بشعاع نور عن نواظر خلقه ) ومعلوم أنّ شدّة النور وزيادته ، تكون مانعاً عن شهود من له النور . وهذا أمر ظاهر وحينئذ نقول : التوحيد الحقيقي الكشفي الذي هو المسؤول عنه . والمراد به من الحقيقة إنّما يكون لأحد ، إذا انكشف عن قلبه أنوار الجلال الحاجبة له . وهذا لا يكون إلّافي قلب الموحّد ، حيث إنّه لا ظهور للتوحيد الحقيقي إلّافيه . لمّا بيّن عليه السلام الحقيقة بقوله السابق ، وعلم منه كميل ما علم بعلم اليقين أراد أن يعلم بحقّ اليقين ، فقال ملتمساً منه عليه السلام المزيد للبيان : ( زدني بياناً ) ، لما علم أنّه عليه السلام فاتح كلّ علم ومبين كلّ سرّ ، كما قال عليه السلام لكميل في حديث آخر مفصّل رواه في تحف العقول : ( يا كميل ما من علم إلّاوأنا أفتحه ، وما من سرّ إلّاوالقائم يختمه ، يا كميل لا تأخذ إلّاعنّا تكن منّا ) . فقال عليه السلام : ( محو الموهوم مع صحو المعلوم ) ، فالحقيقة هو ظهور الحقّ المعلوم وصحوه في ظرف محو الموهوم ، أي إزالة الموجودات الوهميّة ، فعلم أنّ المراد من المعلوم هو الحقّ تعالى وتوحيده المعلوم في هذه الحالة . وقد علمت أنّ هذا يكون منه تعالى لعبده ، ولهذا عبّر عليه السلام في جميع الجمل بصيغة المصدر المنبيء عن تحقّق الفعل من دون نظر إلى فاعله ؛ لوضوح أنّه هو اللَّه تعالى ، ووجه كون هذه الجملة أبين لبيان الحقيقة من سابقتها هو أنّ الجملة السابقة تشير إلى تحقّق وجود للصفات والأنوار والسبحات المنكشفة عن التوحيد الحقيقي . وهذا بخلاف هذه الجملة ، فإنّها ظاهرة في أنّ الموجودات بأسرها صورية وهميّة لا وجود لها في قبال وجوده تعالى إلّابالوهم والخيال . فقال عليه السلام : ( هتك الستر لغلبة السّر ) . فنقول : إن المراد من الستر الوجود الموهومي الثابت للخلق والكثرات ، ومن السّر وجوده تعالى الذي هو الوجود الحقيقي . وحينئذ معنى هتك الستر أنّه وإن كان الحقّ خلوّاً من الخلق والكثرات وبالعكس ، إلّاأنّه قد يغلب ظهوره تعالى في قلب عبد بحيث يصرفه عمّا سواه ، فيذهل عن غيره تعالى وهو معنى الهتك ، أي يرفع مانعيّة وجود الكثرات عن ظهور الحقّ والحقيقة . وإلى هذا الحال أشار الحسين عليه السلام في قوله : ( ألغيرك من الظهور ما ليس لك ، حتّى يكون هو المظهر لك ) ، فلمّا شرب كميل من كأس إفاضاته عليه السلام القدح المعلّى والمشرب المهنّى ، وعلم أنّ الأمر أدقّ وأخفى ممّا ظنّه ، فقال مستفيداً وملتمساً الزيادة منه عليه السلام : ( زدني بياناً ) . فقال عليه السلام : ( جذب الأحديّة لصفة التوحيد ) ، إنّ الجذب لغة بمعنى الجر والمدّ واللام في قوله عليه السلام : ( لصفة التوحيد ) ، إمّا بمعنى « إلى » كما في قوله تعالى : « سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ » [ الأعراف : 57 ] . وإمّا بمعنى التعليل ، فالمعنى حينئذ إنّ الحقيقة وحقيقة التوحيد جذبه تعالى عبده إلى صفة التوحيد وحقيقته ، أو جذبه إليه تعالى لعلّة صفة التوحيد ، أي حقيقة الوحدانيّة ، إذا ظهرت في قلب عبد تجذبه إليه تعالى ، أي النهاية في غلبة السرّ قوّة جذب نور الذات في الحضرة الأحديّة ، التي لا اعتبار للكثرة فيها أصلًا لصفة التوحيد المشعر بالكثرة الاعتباريّة في الحضرة الواحدّية ، التي منشأ الأسماء والصفات . وذلك النور هو العين الكافوريّة ، التي هي مشرب المقرّبين خاصّة ، فلا يبقى مع هذا الجذب والشرب الحقاني للغير عين ولا أثر ، ولمّا كان كميل عارفاً ، بأنّ مقام الوحدة والفناء في الذات . وإن كان مقام الولاية ليس كمالًا تامّا ؛ لأنّ صاحبه لا يصلح الهداية والتكميل ما لم يرجع من الجمع إلى التفصيل ، ومن الوحدة إلى الكثرة ولم يصل إلى مقام الصحو بعد السكر ، ولم يحصل له مقام الاستقامة المأمور بها النبي صلى الله عليه وآله في قوله تعالى : « فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ » [ هود : 112 ] . استوضح واستزاد البيان فقال عليه السلام : ( نور يشرق من صبح الأزل ، فيلوح على هياكل التوحيد آثاره ) ، أي ظهور النور الذاتي الأحدي ، الذي سمّيناه نور الوجه المشرق من أزل الأزل اللائح على مظاهر صفات الحقّ وذاته ، التي هي أعيان الموجودات سمّى هنا عليه السلام : ( هياكل التوحيد ) ، أي صور أسماء اللَّه تعالى في مقام التوحيد نفياً لتوهّم الغير آثاره ، أي صفاته وأفعاله ، أي ظهور الذات في مظاهر الصفات وشهود الوحدة في صورة الكثرة ، وحضور الجمع في عين التفصيل ، ووجود التفاصيل في عين الجمع . وعند ذلك غلب حال كميل ، فسكر وجذب الشوق عنان تماسكه واستزاد البيان ، فقال عليه السلام : ( أطف السراج فقد طلع الصبح ) ، أي دع البيان والعلم واترك الحدّ العقلي . واطف نور العقل الذي هو بالنسبة إلى نور الحقّ ، كالسراج بالنسبة إلى الشمس ، فقد ظهرت عليك تباشير نور الحقّ وأوائله ، التي هي بالنسبة إليه ، كنسبة نور الصبح إلى نور الشمس وقت الاستواء وعند الابتلاج لا يحتاج إلى السراج واللَّه أعلم بحقائق أسراره . [ الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة ، ج 2 ، ص 314 - 360 ] .