أبو علي سينا
58
مبحث عن القوى النفسانية أو كتاب في النفس على سنة الإختصار ( ويليه الطير وأسباب حدوث الحروف والحكومة والحدود وقصة سلامان وأبسال )
الأطباء بالمفكّرة ولكن الفلاسفة المحصّلين يطلقون عليها اسمين وهما المفكّرة والمتخيّلة . وكما أن الدرجة الأولى مكلّفة بعمل لا يتجاوز الانفعال فبخلاف ذلك الدّرجة الثانية مكلفة بعمل حقيقي وهو ان تأخذ المعاني المفردة المودعة في الحسّ المشترك وتضممها بعضا إلى بعض أو تفصلها بعضا عن بعض . والنتيجة أو الحاصل الصادر عن هذه العملية يمكن ان يكون مطابقا للحقيقة أو غير مطابق لها . وإذا استخدم العقل أي الفهم موادّ هذه العملية الداركة تسمّى هذه القوة بالمفكّرة ولكن إذا استخدمتها القوة التي تحكم حكما قطعيّا أو ظنّيّا فحينئذ تسمّى بالمتخيّلة اما الدرجة الثالثة فتمتاز عن الاثنتين السابقتين امتيازا عظيما وذلك ان الاثنتين انما ينحصر عملهما في أنهما مكلّفتان بالنظر إلى صور الأشباح والمحسوسات . فالأولى منهما انما تأتي بالادراكات على الحالة التي أبلغتها لها الحواسّ الخمس الظاهرة فلذلك يجوز ان يقال فيها انها بمثابة حافظة الحواسّ الظاهرة وذاكرتها . اما الثانية منهما فتجمع هذه الادراكات معا أو تفرّقها . ولكن الثالثة فإنها تصدر حكما على نفس معنى الادراك وتهيّئ وتكيّف من الصور المفردة معاني مفردة أي جزئية . غير أنه في تعريفات السيّد الجرجاني وفي عجائب القزويني قد قيل إن الدرجة الثانية هي التي تهيئ المعاني الجزئية . وفي كتاب القانون لا يعيّن لهذه القوّة محلّ أو مقرّ في الدماغ . وفي كتاب النجاة قد تعيّن لها القسم المؤخّر من التجويف الثاني في الدماغ . وفي هذه الرسالة اي الهدية يقول ابن سينا ان سلطانها في جميع الدماغ . ومن الواضح ان هذا تعبير مخلّ أو غلط من الناسخ فإنه لا يعقل حلول القوة الظانّه الحاكمة حكما في حيّز الذكر والحفظ إذ هذا هو مستودع لما حصّلته من المعاني . فهذه الثالثة هي التي تسمّى بالوهم ثم أخيرا القوة التي تدّخر ما حصّلته السابقة من تصديقات اي معان وتسمّى بالحافظة ومقرّها في التجويف المؤخر من الدماغ . وارتاب ابن سينا فيها هل هي