علي أنصاريان ( إعداد )
98
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار
في كون المحشور هو المبدأ ، فافهم . واعلم أنّ المعاد الجسمانيّ مما يجب الاعتقاد به ويكفر منكره ، أمّا المعاد الروحانيّ أعني التذاذ النفس بعد المفارقة وتألّمها باللذّات والآلام العقليّة فلا يتعلّق التكليف باعتقاده ولا يكفر منكره ولا منع شرعا ولا عقلا من إثباته . قال الإمام في بعض تصانيفه : أمّا القائلون بالمعاد الروحانيّ والجسمانيّ معا ، فقد أرادوا أن يجمعوا بين الحكمة والشريعة فقالوا : دلّ العقل على أنّ سعادة الأرواح بمعرفة اللّه - تعالى - ومحبتّه ، وأنّ سعادة الأجساد في إدراك المحسوسات ، والجمع بين هاتين السعادتين في هذه الحياة غير ممكن لأنّ الإنسان مع استغراقه في تجلّي أنوار عالم القدس لا يمكنه أن يلتفت إلى شيء من اللذّات الجسمانيّة ، ومع استغراقه في استيفاء هذه اللذّات لا يمكنه أن يلتفت إلى اللذّات الروحانيّة ، وإنّما تعذّر هذا الجمع لكون الأرواح البشريّة ضعيفة في هذا العالم ، فإذا فارقت بالموت واستمدّت من عالم القدس والطهارة قويت قادرة على الجمع بين الأمرين ، ولا شبهة في أنّ هذه الحالة هي الحالة القصوى من مراتب السعادات . قلت : سياق هذا الكلام مشعر بأنّ إثبات الروحانيّ إنّما هو من حيث الجمع بين الشريعة والفلسفة ، وإثباتهما ليس من المسائل الكلاميّة ، وهذا كما أنّ الرئيس أبا عليّ مع إنكاره للمعاد الجسمانيّ على ما هو بسطه في كتاب المعاد وبالغ فيه وأقام الدليل بزعمه على نفيه ، قال في كتاب النجاة والشفاء : إنهّ يجب أن يعلم أنّ المعاد منه ما هو مقبول من الشرع ولا سبيل إلى إثباته إلّا من طرق الشريعة وتصديق خبر النبوّة وهو الّذي للبدن عند البعث ، وخيراته وشروره معلوم لا يحتاج إلى أن يعلم . وقد بسطت الشريعة الحقّة الّتي أتانا به سيّدنا ومولانا محمّد - صلّى اللّه عليه وآله - حال السعادة والشقاوة الّتي بحسب البدن ، ومنه ما هو مدرك بالعقل والقياس البرهانيّ وقد صدقّه النبوّة وهو السعادة والشقاوة الثابتتان بالقياس إلى نفس الأمر ، وإن كان الأوهام منّا تقصر عن تصوّرهما الآن . وسياق هذا الكلام مشعر بأنّ إثباته للمعاد الروحانيّ ليس من حيث الحكمة ، بل هو من حيث الشريعة ، فإنّ التمسك بالدلائل النقليّة ليس من وظائف الفلسفة ، فلا يتوهم أنّ إثباته من المسائل الحكمية وهو أراد أن