علي أنصاريان ( إعداد )

71

شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار

152 - ومن خطبة له عليه السلام في صفات الله جل جلاله ، وصفات أئمة الدين في صفات الله جل جلاله الحمد للهّ الدّالّ على وجوده بخلقه ، وبمحدث خلقه على أزليتّه ، وباشتباههم على أن لا شبه له . لا تستلمه ( 1879 ) المشاعر ، ولا تحجبه السّواتر ، لافتراق الصّانع والمصنوع ، والحادّ والمحدود ، والرّبّ والمربوب ، الأحد بلا تأويل عدد ، والخالق لا بمعنى حركة ونصب ( 1880 ) ، والسّميع لا بأداة ( 1881 ) ، والبصير لا بتفريق آلة ( 1882 ) ، والشّاهد لا بمماسّة ، والبائن ( 1883 ) لا بتراخي مسافة ، والظّاهر لا برؤية ، والباطن لا بلطافة . بان من الأشياء بالقهر لها ، والقدرة عليها ، وبانت الأشياء منه بالخضوع له ، والرّجوع إليه . من وصفه فقد حدهّ ( 1884 ) ، ومن حدهّ فقد عدهّ ، ومن عدهّ فقد أبطل أزله ، ومن قال : « كيف » فقد استوصفه ، ومن قال : « أين » فقد حيزّه . عالم إذا لا معلوم ، وربّ إذ لا مربوب ، وقادر إذ لا مقدور . النهج : قال - عليه السلام : الحمد للهّ الدالّ على وجوده بخلقه ، وبمحدث خلقه على أزليتّه . ( 590 )

--> ( 590 ) الأوّليّة والآخريّة وصفان اضافيّان ، فإذا قويس شيء إلى آخر وجد بعده وصف بالأوّليّة ، وإذا قويس إلى شيء وجد قبله وصف بالآخريّة . وللتقدّم والتأخر أقسام مذكورة في محلّها ، وقد اختلف القول في تقدّم الواجب على الممكنات ، فقيل : إنّ تقدمّه زماني ، وقيل : علّي ، وقيل : سرمدي إلى غير ذلك . لكنّ التقدّم الزماني بمعناه المصطلح وهو وقوع المتقدم مقارنا لجزء من الزمان متقدّم على الجزء الّذي وقع المتأخّر مقارنا له ممّا يستحيل في حقّ الحق - سبحانه وتقدّس - لتعاليه عن مقارنة الزمان ومقايسته بالحدثان . على أنهّ يستلزم قدم الزمان وهو كرّ على ما فرّ منه . وأمّا تفسير التقدّم الزمانيّ بأنّ الواجب كان في زمان لم يكن شيء . وتتميمه بأنّ الزمان أمر موهوم منتزع من ذاته ، ممّا لا يجدي شيئا ولا يسمن ولا يغني من جوع لأنّ الزمان إن كان أمرا موهوما فلا يمكن تأثيره في الواقعيّات وإناطة البحث الحقيقيّ به ، غاية الأمر تسميته - تعالى - بالقديم الزماني تسمية ليس وراءه حقيقة ولا تجاوز حدّ الاسم والوهم . وإن كان أمرا واقعيّا فلا يمكن انتزاعه من ذات الباريء - سبحانه - وإلّا لتطرّق التغيّر والحدوث إليها . وأمّا آخريّة الواجب ، فقيل بالآخريّة الزمانيّة بمعنى أنهّ يفنى كلّ شيء إلّا الواجب - تعالى - فيكون زمان ليس فيه غيره - سبحانه - ولمّا كان ظاهر هذا القول لظواهر الكتاب والسنّة من أبديّة نشأة الآخرة آخرا وخلود أهلها ، فسّر بفناء الموجودات قبل قيام الساعة ولقائل أن يقول : هل يكون عند فناء جميع الموجودات زمان أو لا فإن كان فلا يكون الواجب آخرا بالنسبة إلى نفس الزمان وإلّا فلا يكون آخرا زمانيا ، على أنهّ - تعالى - يكون على هذا آخرا بالنسبة إلى الموجودات قبل قيام الساعة لا بعده ، وله توال فاسدة أخرى . وحقّ القول أنّ الواجب - تعالى - محيط بجميع العوالم ، مهيمن على كافّة الموجودات ويكون وجوده أوسع وأرفع من كلّ الموجودات ، بل هي بأسرها ظلّ وجوده وشعاع نوره - تبارك وتعالى - وليس لها استقلال أصلا فليس بين الموجودات الإمكانية وبين وجوده السرمديّ الواجب المحيط الغير المتناهي بل فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى نسبة ، فأين المتناهي من غير المتناهي وما للتراب وربّ الأرباب فكلّما قويس وجود إمكاني إلى وجوده المتعالي كان من بين يديه ومن خلفه ومن فوقه ومن تحته ، ومن كلّ جهة من جهاته ، وكلّ شأن من شؤونه محدودا محاط بوجوده - تبارك وتعالى - فإذا لوحظ الجهة السابقة على الموجودات ، كان - سبحانه - هو الأوّل ، وإذا لوحظ الجهدة اللاحقة ، كان هو الآخر ، وإذا لوحظ ظاهرها كان هو الباطن وإذا لوحظ باطنها كان هو الظاهر : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ - الحديد : 3 . أَلا إنِهَُّ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ - فصّلت : 54 .