علي أنصاريان ( إعداد )

47

شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار

العظام من يفسد ويسفك لا تفعله إلّا لوجه دقيق وسر غامض ، فما أبلغ حكمتك ومنها : أنّ إبداء الإشكال طلبا للجواب غير محظور ، فكأنهّ قيل : إلهنا أنت الحكيم الّذي لا تفعل السفه البتّة ، وتمكين السفية من السفة قبيح من الحكيم ، فكيف يمكن الجمع بين الأمرين أو أنّ الخيرات في هذا العالم غالبة على شرورها ، وترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شر كثير ، فالملائكة نظروا إلى الشرور ، فأجابهم اللّه - تعالى - بقوله : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 63 ) أي من الخيرات الكثيرة الّتي لا يتركها الحكيم لأجل الشرور القليلة . ومنها : أنّ سؤالهم كان على وجه المبالغة في إعظام اللّه - تعالى - فإنّ العبد المخلص لشدّة حبهّ لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه . ومنها : أنّ قولهم : « أتجعل » مسألة منهم أن يجعل الأرض أو بعضها لهم إن كان ذلك صلاحا ، نحو قول موسى : أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا ( 64 ) أي لا تهلك ، فقال - تعالى - : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ من صلاحكم وصلاح هؤلاء ، فبيّن أنهّ اختار لهم السماء ولهؤلاء الأرض ليرضى كلّ فريق بما اختار اللّه له . ومنها : أنّ هذا الاستفهام خارج مخرج الإيجاب كقول جرير « ألستم خير من ركب المطايا » أي أنتم كذلك وإلّا لم يكن مدحا ، فكأنّهم قالوا : إنّك تفعل ذلك ونحن مع هذا نسبّح بحمدك ، لأنّا نعلم في الجملة أنّك لا تفعل إلّا الصواب والحكمة ، فقال - تعالى - : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فأنتم علمتم ظاهرهم وهو الفساد والقتل ، وأنا أعلم ظاهر هم وما في باطنهم من الأسرار الخفيّة الّتي يقتضي اتّخاذهم . والجواب عن الغيبة أنّ من أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرّض لمحلّ الإشكال ، فلذلك ذكروا الفساد والسفك مع أنّ المراد أنّ مثل تلك الأفعال يصدر عن بعضهم ، ومثل هذا لا يعدّ غيبة ، ولو سلّم فلا نسلّم ذلك في حقّ من لم يوجد بعد ، ولو سلّم فيكون غيبة للفسّاق وهي مجوّزة ، ولو سلّم فلا نسلّم أنّ ذكر مثل ذلك لعلّام الغيوب يكون محرّما لا سيّما من الملائكة الّذين جماعة منهم مأمورون بتفتيش أحوال الخلائق وإثباتها في

--> ( 63 ) - البقرة : 30 . ( 64 ) - الأعراف : 155 .