علي أنصاريان ( إعداد )
37
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار
كلامه - عليه السلام - ناطق بأنّها تكوّنت من الزبد ، وما ورد في الخبر أنّ ذلك الزبد هو الّذي تكوّنت منه الأرض ، فلابدّ من بيان وجه الجمع بين هذه الإشارات ، فنقول : وجه الجمع بين كلامه - عليه السلام - وبين لفظ القرآن الكريم ما ذكره الباقر - عليه السلام - وهو قوله : « فخرج من ذلك الموج والزبد دخان ساطع من وسطه ومن غير نار » فخلق منه السماء . ولا شكّ أنّ القرآن الكريم لا يريد بلفظ الدخان حقيقته لأنّ ذلك إنّما يكون عن النار ، واتّفق المفسّرون على أنّ هذا الدخان لم يكن عن نار بل عن تنفسّ الماء وتبخيره بسبب تموجّه فهو إذا استعارة للبخار الصاعد من الماء ، وإذا كان كذلك فنقول : إنّ كلامه - عليه السلام - مطابق للفظ القرآن الكريم وذلك أنّ الزبد بخار يتصاعد على وجه الماء عن حرارة حركته إلّا أنهّ ما دامت الكثافة غالبة عليه وهو باق على وجه الماء لم ينفصل فإنهّ يخصّ باسم الزبد وما لطف وغلب عليه الأجزاء الهوائيّة فانفصل خصّ باسم البخار وإذا كان الزبد بخارا والبخار هو المراد بالدخان في القرآن الكريم كان مقصده ومقصد القرآن واحدا ، فكان البخار المنفصل هو الّذي تكوّنت عنه الأرض وهو الزبد ، وأمّا وجه المشابهة بين الدخان والبخار الّذي صحّت لأجله استعارة لفظه له فهو أمران : أحدهما حسّيّ وهو الصورة المشاهدة من الدخان والبخار حتّى لا يكاد يفرق بينهما في الحسّ البصريّ ، والثاني معنويّ وهو كون البخار أجزاء مائيّة خالطت الهواء بسبب لطافتها عن حرارة الحركة كما أنّ الدخان كذلك ولكن عن حرارة النار ، فإنّ الدخان أيضا أجزاء مائيّة انفصلت عن جرم المحترق بسبب لطافتها عن حرّ النار فكان الاختلاف بينهما ليس إلّا بالسبب ، فلذلك صحّ استعارة اسم أحدهما للآخر [ وباللهّ التوفيق ] . [ انتهى كلام ابن ميثم - رحمه اللّه - ] . ( 31 ) « جعل سفلا هنّ موجا مكفوفا وعليا هنّ سقفا محفوظا وسمكا مرفوعا » ، « الكفّ » المنع ، و « السقف » معروف ، وقال الجوهريّ وغيره : « السقف » اسم للسماء . والمعروف ههنا أنسب ، و « سمك البيت » سقفه ، و « سمك اللّه السماء سمكا » رفعها ، و « المسموكات » السماوات ، أي جعل السماء السفلى موجا ممنوعا من
--> ( 31 ) - شرح النهج لابن ميثم ، ج 1 ، ص 141 - 142